آيات الثناء على الصحابة في القرآن الكريم في سورة الحديد

قوله تبارك وتعالى : ((وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)).

قال الشيخ جمال الدين القاسمي – رحمه الله – في التفسير : ((لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل)) أي من قبل فتح مكة أو صلح الحديبية، وقاتل لتعلو كلمة الحق ومن أنفق من بعد وقاتل في حال قوة الإسلام وعزة أهله)) ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) أي : العِظَم موقع نصرة الرسول صلوات الله عليه بالنفس وإنفاق المال في تلك الحال وفي المسلمين قلة وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قويا والكفر ضعيفاً، ويدل عليه قوله تعالى في سورة التوبة : ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)). وقوله عليه السلام : لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذَهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)).

وهذه الآية دليل على فضل من سبق إلى الإسلام وأنفق وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم – أفاده الرازي – وفي الإكليل – : في الآية دليل على أن للصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق وعلى تنزيل منازلهم، و ((كلاَّ)) أي كل واحد من الفريقين وعد الله الحسنى أي : المثوبة الحسنى)) وهي الجنة، لا الأولين فقط، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء)).

قلت : وفي قوله تعالى ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) بشرى عظيمه لكل من أسلم من بعد الفتح وبقى على الإسلام وثبت عليه كمعاوية بن أبي سفيان وأبيه (أبو سفيان) وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين ممن لم يدخل فيما دخل فيه أهل الردة كعينية بن حصن. ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) حجة من الله تعالى على كل لكع – يقع فيهم بلسانه أو قلمه، فكلام الله تبارك وتعالى حق ووعده حق وصدق.

((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))، قال ابن كثير : ((ولخبره تعالى، فإنه فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول واخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث : ((سَبَق درهم مائة ألف)) **، ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه، له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله عز وجل ولم يكن لأحد عنده من يجزيه بها)).