نقد دعوى الطعن في الصحابة – رضي الله عنهم – بقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله…}.
نقد دعوى الطعن في الصحابة – رضي الله عنهم – بقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله…}.
قال الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – :
«قال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} (سورة الحديد، الآية 16).
وفي الدر المنثور لجلال الدين السيوطي: لما قدم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المدينة، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا، بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت: {ألم يأن للذين آمنوا…}.
وفي رواية أخرى: أن الله سبحانه وتعالى استبطأ قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله: {ألم يأن للذين آمنوا…}».
والجواب:
أن هذه الآية لا تدل بحالٍ من الأحوال على ما ادعاه من زعمه أن قلوب الصحابة لم تخشع لذكر الله طيلة سبعة عشر عامًا، بل هذا من أقبح الكذب والافتراء على الله، الذي لا تحتمله الآية، ويُعلم بطلانه من أقوال المفسرين في سبب نزولها وتفسيرها.
فقد اختلف المفسرون في سبب نزول الآية:
فقيل: إنها نزلت في المنافقين. قال الكلبي ومقاتل: نزلت بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي يومًا فقالوا: حدثنا عن التوراة، فإن فيها العجائب. فأنزل الله: {نحن نقص عليك أحسن القصص} (سورة يوسف، الآية 3)، فكفوا عن السؤال ما شاء الله، ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة، فنزل: {الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا} (سورة الزمر، الآية 23)، فكفوا ما شاء الله، ثم عادوا فقالوا مثل ذلك، فنزلت الآية: {ألم يأن للذين آمنوا…} (سورة الحديد، الآية 16)، أي: في العلانية وباللسان.
وقال آخرون: نزلت في المؤمنين. قال عبد الله بن مسعود: “ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم…} إلا أربع سنين” (انظر: تفسير البغوي 4/297، وتفسير القرطبي 17/240).
وقيل: الخطاب موجه إلى أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى، ولم يؤمنوا بمحمد – صلى الله عليه وسلم -، بدليل قوله عقبها: {والذين آمنوا بالله ورسله} (سورة الحديد، الآية 19)، أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمن سبقهم من قوم موسى وعيسى، إذ طال عليهم الأمد فقست قلوبهم (انظر: تفسير القرطبي 17/240).
فكل هذه الأقوال تنفي أن تكون الآية ذمًّا للصحابة أو طعنًا في عدالتهم.
وحتى على القول بأنها نزلت في الصحابة، فلا مطعن فيها عليهم، إذ غاية ما فيها أن الله حثهم على الارتقاء في الخشوع والتأثر بذكر الله والقرآن، دون أن ينفي عنهم أصل الخشوع أو يذمهم على التقصير فيه.
قال الطبري: “ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نزل من الحق، وهو هذا القرآن” (تفسير الطبري 11/681).
وقال ابن كثير: “يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له وتطيعه” (تفسير ابن كثير 2/310).
فلا دليل في الآية على نفي الخشوع الواجب عن الصحابة، بل الآية تحضّهم على زيادة الخشوع والارتقاء فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
“فإن قيل: فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب؟
قيل: نعم، لكن الناس فيه على قسمين:
مقتصد،وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة (مجموع الفتاوى 7/29).
وعلى هذا، فالخطاب في الآية يكون في حق من لم يحقق تلك الدرجة العالية من الخشوع، لا من بلغها من الصحابة.
ويؤيد ذلك ما نقله الشوكاني عن الزجاج في سبب نزول الآية، حيث قال: “نزلت في طائفة من المؤمنين، حُثّوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع، فطبقة فوق هؤلاء” (فتح القدير 5/172).
وقد ثبتت هذه المنزلة العالية من الخشوع لبعض الصحابة قبل نزول الآية، ومن ذلك ما ثبت عن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – من رواية عائشة – رضي الله عنها -، في قصة جوار ابن الدّغنّة له في بداية البعثة، وفيها:
“… ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر – رضي الله عنه – رجلًا بكّاءً، لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين” (رواه البخاري في كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر…، فتح الباري 4/475-476، حديث 2297، ورواه أيضًا في كتاب الصلاة، باب المسجد يكون في الطريق، فتح الباري 1/563-564، حديث 476).
وهذه الحادثة في بداية البعثة، وهي قبل نزول سورة الحديد قطعًا، لأن سورة الحديد مدنية، والحادثة مكية.
وأما زعمه أن نزول الآية كان بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فهذا إن ورد في بعض الروايات، فهو معارض بما جاء في غيرها.
فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال:
“إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن” (تفسير البغوي 4/297، وتفسير ابن كثير 4/310).
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال:
“ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: {ألم يأن للذين آمنوا…} إلا أربع سنين” (صحيح مسلم، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا…}، 4/2319، حديث 3027).
ورواية ابن مسعود أصح من غيرها، فهي في صحيح مسلم، وهي دليل على أن عتاب الله لهم بالآية كان في بداية إسلامهم، لا بعد سبع عشرة سنة، كما زعم هذا الرافضي.
وأما طعنه في الصحابة بزعم أنه لم تخشع قلوب السابقين منهم، فكيف بمن أتى بعدهم؟
فهذا باطل وفرية ظاهرة، تردها سيرة الصحابة المشهورة، وما ثبت عنهم من تحقيق أعلى مقامات الخشوع، وشدة خوفهم من الله، وكثرة بكائهم من خشيته، مما لا ينكره إلا مكابر أو جاهل.
فمن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس – رضي الله عنه – قال:
“خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. قال: فغطّى أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وجوههم، ولهم حنين…” (صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب لا تسألوا عن أشياء…، فتح الباري 8/280، حديث 4621، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره – صلى الله عليه وسلم -، 4/1832، حديث 2359).
والحنين هو الصوت المرتفع من البكاء في الصدر، والخنين من الأنف (فتح الباري 8/281)، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
وفي رواية أخرى عند مسلم:
“فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -” (صحيح مسلم، الموضع السابق).
وقد ثبت البكاء عن بعض الصحابة، بل كان بعضهم معروفًا به، مما يدل على شدة الخوف والخشية.
ففي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – في أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أبا بكر أن يصلي بالناس، قالت:
“… فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق القلب، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه”
وفي رواية: “إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمع الناس من البكاء” (صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، فتح الباري 2/164، حديث 679، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام…، 1/313).
وفي حلية الأولياء عن عبد الله بن عيسى قال:
“كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء” (حلية الأولياء 1/51).
وعن هشام بن الحسن قال:
“كان عمر يمر بالآية في ورده، فتخنقه، فيبكي حتى يسقط” (حلية الأولياء 1/51).
وعن عثمان – رضي الله عنه – أنه جاء إلى بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبرته عائشة أنهم لم يطعموا طعامًا منذ أربعة أيام، فقالت:
“فبكى عثمان، ثم قال: مقتًا للدنيا”، ثم أحضر لهم طعامًا كثيرًا وصُرّة دراهم (الرقة والبكاء لابن قدامة، ص188).
وعن عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – أنه أُتي بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى، فقيل له: يا أبا محمد، ما يبكيك؟
قال: “هلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أُخّرنا لها لما هو خير منها” (حلية الأولياء 1/100).
وكان ابن عمر لا يذكر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قط إلا بكى (سنن الدارمي 1/54، حديث 86).
وأخبارهم في ذلك كثيرة، وإنما ذكرت هذه أمثلة يسيرة للرد على ما افتراه الرافضي، وزعمه بعدم خشوع الصحابة وخشيتهم، مع أن ذلك ثابت متواتر في آثارهم وسيرهم، ويكفيهم تزكية الله ورسوله لهم، وما ورد في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصهم الله بها على من بعدهم من الأمة.
فثبت بهذا الاستعراض لما ذكره المؤلف من آيات زاعمًا أنها تدل على الطعن في الصحابة، ثم الوقوف على النصوص المفسرة للآيات وأسباب نزولها: بطلان دعواه، وأن هذه الآيات لا تدل على ذم الصحابة ولا تنقصهم بحال.