ثناء عليّ رضي الله عنه: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر (رضي الله عنه)

من أوكد الأدلّة على تعظيم آل البيت لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، الأحاديثُ والآثار التي رواها كبار آل البيت في فضله ومنزلته. وأعظم هذه الروايات شأنا، وأرفعها سندا، ما رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه؛ فإن الرواية حين تصدر عن علي في فضل أبي بكر تكتسب من القوّة الحجاجية ما لا تكتسبه من غيره؛ إذ لا يُتصور أن يَنسب عليٌّ لأحد فضلا لا يستحقّه، خاصة فيمن خَلَفه على أمر الأمة من قبله.

فقد روى البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية ـ وهو ابن علي ـ قال: قلتُ لأبي: أيّ الناس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ؟ قال: “أبو بكر”. قلت: ثم من؟ قال: “ثم عمر”. وخشيتُ أن يقول: عثمان. قلت: ثم أنت؟ قال: “ما أنا إلا رجل من المسلمين” (1).

وفي رواية أخرى عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: “ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيّها؟ أبو بكر”. ثم قال: “ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر؟ عمر”.

وفي هذا الحديث من الدلالات ما يحسن استحضاره:

الأولى: أن عليا رضي الله عنه يشهد لأبي بكر بأنه خير الأمة بعد رسول الله ﷺ، وهذه شهادة قاطعة لا تحتمل التأويل، ولا يمكن أن يَحمل قائلَها على المُجاراة والمداهنة أحدٌ ممن يَعرف صلابة علي في الحقّ، وغَيرَته على الدين.

والثانية: أنه قرن ذكر الصدّيق بذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على نسق الترتيب الذي عُرف به الشيخان في تاريخ الإسلام، فدلّ ذلك على أن مكانة الشيخين عند علي مستقرّة راسخة، لا تغيّرها الأحداث ولا الفتن.

والثالثة: أن عليا قال هذه الكلمات وهو إمام المسلمين في زمانه، بعد ما جرى من الأحداث والفتن، فلم يكن في موضع المُجاملة ولا الحاجة، بل كان يقرّر حقيقة شرعية يَلزم الأمة جميعا اعتقادها.

وقد جاءت هذه الرواية عن علي من طرق متعددة كثيرة، عن جماعة من تلامذته وأهل بيته، حتى بلغت من الكثرة ما يكاد يبلغ حدّ التواتر المعنوي.


الهوامش:

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (3671) عن محمد بن الحنفية عن علي. وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي جحيفة في مواضع منها (833، 836، 837)، وفي فضائل الصحابة (40، 41، 44)، والطبراني في المعجم الكبير (1/64) عن أبي موسى عن علي، و(1/65) عن عمرو بن حريث عن علي. وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (1/182)، وابن عبد البر في الاستيعاب (2/252) بإسناده عن النَّزَّال بن سَبْرَة عن علي. وغيرهم كثير.