من هم آل البيت؟ تحرير المصطلح وبيان أقوال العلماء
اختلف أهل العلم في تحديد المراد بـ”آل البيت” و”أهل البيت” في النصوص الشرعية، فيمن يشمل ولمن لا يشمل. وقبل عرض أقوالهم، يحسن بيان معنى الكلمة في اللغة.
قال ابن منظور في لسان العرب: “أهل البيت سُكّانه، وأهل الرجل أخصّ الناس به، وأهل بيت النبي ﷺ أزواجه وبناته وصهره، أعني عليا رضي الله عنه. وقيل: نساء النبي ﷺ والرجال الذين هم آله”. وقال الراغب الأصفهاني: “أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وولد”. وقد قيل: إن أصل كلمة “آل” هو “أهل”، ثم قُلبت الهاء همزة، ثم خُففت إلى “آل” (1).
فآل الرجل وأهله في اللغة هم أزواجه وذريته وأقرباؤه؛ ويشهد لذلك القرآن الكريم في غير موضع. قال تعالى عن امرأة العزيز إذ خاطبت زوجها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: 25]، تريد نفسها. وقال عن موسى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [النمل: 7]، يعني زوجته التي كانت معه. وقال عن إبراهيم وزوجه: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: 73].
وأما في الاصطلاح الشرعي، فقد تعدّدت أقوال العلماء في تحديد المراد بـ”آل البيت”، وأشهرها أربعة:
القول الأول: أن الآل هم الأزواج والذرية
استدلّ أصحاب هذا القول بآية التطهير، وهي قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ… وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 32-34]. فالآية ابتدأت بخطاب نساء النبي ﷺ، وختمت بخطابهن، وجاء وصف “أهل البيت” في سياقهن، فدلّ على دخولهن فيه.
فإن قيل: لمَ أعرض السياق عن ضمير النسوة (كنّ) إلى ضمير الجمع المذكر (كم) في قوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾؟ فالجواب: أن الأوامر السابقة كانت موجَّهة إلى النساء خاصة، ثم جاء ضمير الجمع المذكر لدخول الرجل في الخطاب وهو النبي ﷺ، فهو سيّد البيت ﷺ، وإذا اجتمع الرجال والنساء في الخطاب غلب التذكير على التأنيث، وهذا أصل معروف في اللغة. ولذلك عاد السياق بعد ذلك مباشرة إلى خطاب النسوة بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (2).
ومن أدلتهم كذلك صيغة التشهد التي يُصلّى بها على النبي ﷺ في الصلاة: “اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد”، وقد جاء في بعض الصيغ عند مسلم في صحيحه تفسير ذلك بقول: “اللهم صلّ على محمد وعلى أزواجه وذريته” (3)، وهو تفسير صريح لـ”آل محمد” بالأزواج والذرية. ويعضد ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما شبع آل رسول الله ﷺ من خبز بُرّ” (4)، تريد نفسها وسائر أزواج النبي ﷺ.
القول الثاني: أن الآل هم من حُرّمت عليهم الزكاة
وأصحاب هذا القول اختلفوا في تحديد من حُرّمت عليهم الزكاة على قولين:
أحدهما: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب. وذلك أن النبي ﷺ يرجع نسبه إلى هاشم، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. والمطلب أخو هاشم، وكان قد ضمّ ابن أخيه شيبة (المعروف لاحقا بـ”عبد المطلب”) بعد وفاة أبيه، وكفله، حتى ظنّ بعض الناس أنه عبد له، فقالوا: “عبد المطلب”، فلصق به اللقب وغلب عليه (5). فلأجل هذه الصلة الوثيقة، صار بنو هاشم وبنو المطلب شيئا واحدا في كثير من الأحكام. واستدلّوا بحديث جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: مشيتُ أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: يا رسول الله، أعطيتَ بني المطلب وتركتنا ونحن بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» (6).
والثاني: أنهم بنو هاشم خاصّة. واستدلوا بحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي». فقيل لزيد: من أهل بيته؟ قال: “أهل بيته من حُرم الصدقة، وهم آل علي، وآل عقيل، وآل العباس، وآل جعفر” (7). كذلك حديث الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة لما أتيا النبي ﷺ يطلبان منه أن يستعملهما على الصدقة لينالا الأجر (المراد به هنا الأجر المادي، فإن العاملين على الزكاة من أصنافها الثمانية)، فقال النبي ﷺ: «إنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد»، ومنعهما من ذلك (8).
القول الثالث: أن الآل هم جميع أمة الإجابة
أي أن كل مسلم آمن بالنبي ﷺ يُعدّ من آله، باعتبار أن آل الرجل أتباعه، كما قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، أي فرعون ومن تبعه على دينه. واستدلّوا بحديث واثلة بن الأسقع الليثي قال: جئتُ أريد عليا فلم أجده، فقالت فاطمة رضي الله عنها: انطلق إلى رسول الله ﷺ يدعوه، فاجلس. قال: فجاء مع رسول الله ﷺ فدخلا، فدخلتُ معهما. فدعا رسول الله ﷺ حسنا وحسينا، فأجلس كلَّ واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حِجره وزوجَها، ثم لفّ عليهم ثوبا، وأنا منتبذ، فقال: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، اللهم هؤلاء أهلي». قال واثلة: قلت: يا رسول الله، وأنا من أهلك؟ قال: «وأنت من أهلي». قال واثلة: إنها لأرجى ما أرجو (9).
القول الرابع: أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين وذريّتهم خاصة
استدلّ أصحابه بحديث الكساء؛ فقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ خرج وعليه مِرط مُرحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] (10). واستدلّوا كذلك بآية المباهلة، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]، فدعا النبي ﷺ عليا وفاطمة والحسن والحسين، وقال: “اللهم هؤلاء أهلي” (11).
الترجيح
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن آل النبي ﷺ هم من حُرّموا الصدقة. والصحيح في تحديدهم أنهم بنو هاشم فقط، خلافا لمن قال: إن بني المطلب يدخلون معهم؛ فإنهم وإن شاركوا بني هاشم في بعض الأحكام، فإن تحريم الزكاة عليهم محلّ نظر، والظاهر أنها لا تحرم عليهم (12). وأما أزواج النبي ﷺ، فهن من آل البيت بالتبعية لا بالأصالة؛ لأنهن قبل اقترانهن بالنبي ﷺ لم يكنّ من آل البيت، فدخولهن فيه إنما هو بحكم الزوجية.
الهوامش:
(1) ينظر: لسان العرب، ابن منظور (11/28)؛ تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي (28/41).
(2) انظر هذا الوجه وسواه: روح المعاني، الألوسي (22/13).
(3) صحيح مسلم (407).
(4) صحيح البخاري (5107)؛ صحيح مسلم (2970).
(5) انظر: السيرة النبوية، ابن كثير (1/185).
(6) صحيح البخاري (2971)، كتاب الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض.
(7) صحيح مسلم (2408).
(8) صحيح مسلم (1072).
(9) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2/152) وصححه، لكنه اعتبره خاصا بواثلة، فقال: “هذا إسناد صحيح، وهو إلى تخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقا، والله أعلم”. وحكم الحافظ ابن القيم على الإسناد بأنه جيد في جلاء الأفهام (ص 220).
(10) صحيح مسلم (2424).
(11) صحيح مسلم (2404).
(12) انظر: المغني، ابن قدامة (2/518).