ثناء زيد بن علي بن الحسين على أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه
من أعلام آل البيت الذين شهدوا للشيخين بالفضل، ودافعوا عن مكانتهما في الأمة: الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو سَمِيّ جدّه الشهيد الحسين، ومن أبرز سادات آل البيت في عصره علما وفقها وشجاعة. ولمَا ثار في وجه الظلم الأموي، استُشهد سنة اثنتين وعشرين ومئة، فلحق بآبائه الكرام. وإليه تُنسب الفرقة الزيدية، وقد امتازت في أصلها عن سائر فرق التشيع بإثبات إمامة الشيخين والاعتراف بفضلهما، تأسّيا بإمامهم زيد.
ومن أصرح ما رُوي عنه في الثناء على أبي بكر الصدّيق ما رواه هاشم بن البريد قال: قال زيد بن علي: “كان أبو بكر رضي الله عنه إمام الشاكرين”، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]. ثم قال: “البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي” (1).
وهذا قول عظيم الدلالة من إمام من أئمة آل البيت، يُقرّر فيه أمرين:
أولهما: أن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه إمامُ الشاكرين في هذه الأمة، استدلّ عليه بقوله تعالى في سياق ثبات الصدّيق وأمثاله بعد وفاة النبي ﷺ، حيث قام بأمر الأمة في يوم اضطربت فيه القلوب، ووعى عن النبي ﷺ ما لم يَعِه غيره من قوله: «إن محمدا قد مات»، وثبّت الناس بقراءة الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. فاستحقّ بذلك أن يكون إمام الشاكرين الذين وعدهم الله بالجزاء.
وثانيهما: أنه قرن بين البراءة من أبي بكر والبراءة من علي رضي الله عنهما، فمن تبرّأ من الصدّيق فقد تبرّأ من علي في الحقيقة؛ إذ كان عليّ موافقا للصدّيق في إمامته، مبايعا له، مُجلّا لمقامه. فمن زعم نُصرة علي بسبّ أبي بكر، فقد ناقض نفسه، وادّعى لعلي ما لم يَدَّعه لنفسه.
وكان زيد بن علي يقول عن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، شاهدا على إجماع آل البيت في حقّهما: “ما سمعتُ أحدا من أهل بيتي يذكرهما إلا بخير” (2).
فهذه شهادة أخرى من إمام آل البيت في عصره، تنضمّ إلى شهادة الإمام محمد الباقر السابقة، وتُجمع كلتاهما على أن أهل البيت ـ عبر الأجيال ـ لم يكونوا على ما يَنسبه إليهم الغُلاة من بُغض الشيخين والبراءة منهما، بل كانوا أولى الناس بمحبتهما والثناء عليهما.
الهوامش:
(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي (5/390).
(2) تاريخ الأمم والملوك، الطبري (7/180).