سلسلة الصحابة وآل البيت (9): خير القرون: لماذا كان الصحابة رضي الله عنهم خير أتباع الأنبياء عليهم السلام؟

الحمد لله وبعد:

فقد ختم شيخ الإسلام كلامه عن الصحابة في «العقيدة الواسطية» بحكم عام، فقال: «ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله» (1). وقيد النظر في هذه العبارة بأن يكون «بعلم وبصيرة». فالحكم بخيرية الصحابة لا يأتي من العاطفة أو التقليد. هو نتيجة يصل إليها من يقرأ سيرتهم قراءة صحيحة، بالرجوع إلى الروايات الثابتة ومع النظر في أحوالهم كلها. ولذلك تثبت خيريتهم بطريقين: بالنص، وبالنظر في أحوالهم (2).

فأما النص فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (3)، وفي لفظ آخر: «خير أمتي قرني» (4). والمراد بقرنه الصحابة، وبالذين يلونهم التابعون، وبمن بعدهم أتباع التابعين (5). ويضاف إليه أن الله جعل هذه الأمة خير الأمم، فقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110]، وقال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] (6). فإذا كانت الأمة خير الأمم، وكان الصحابة خير قرونها، فهم صفوة خير الأمم. وهناك وجه آخر للاستدلال: النبي صلى الله عليه وسلم خير الرسل، فلا بد أن تكون أمته خير الأمم، وأن يكون أصحابه خير الأصحاب (7).

وأما النظر فمعناه أن يوازن المسلم بين الصحابة وأتباع الأنبياء قبلهم. فهم خير من الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام، وخير من النقباء أصحاب موسى عليه السلام، وخير ممن آمن مع نوح وهود وغيرهما من الأنبياء. ولا يوجد في أتباع الأنبياء من هو أفضل منهم (8). ومن قرأ القرآن وجد الفرق واضحا. فقد قال بعض أتباع موسى عليه السلام لنبيهم: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24]. أما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فبايعوه تحت الشجرة على ألا يفروا، وخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا. فهذه الموازنة يكفي فيها ما ذكره القرآن نفسه.

وقوله: «لا كان ولا يكون مثلهم» معناه أنه لم يوجد قبلهم ولن يوجد بعدهم مثلهم (9). وليس في هذا مبالغة، لأن ما اجتمع لهم لا يمكن أن يتكرر. فهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعوا منه، ونزل القرآن فيهم وفي أحداثهم، ونقلوا الدين إلى من بعدهم. وكل من جاء بعدهم أخذ هذا الدين عن طريقهم، فلا يمكن أن يساويهم في هذه المنزلة.

وللقرن حدود ذكرها شيخ الإسلام في موضع آخر، فقال: «والاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن، وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية» (10). وكان آخر الصحابة موتا أبا الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة مئة من الهجرة، وقيل سنة مئة وعشر (11). وقال ابن حجر: «واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومئتين» (12). وتفيد هذه الحدود في فهم الحديث، فالخيرية فيه وصف لجمهور كل قرن، وليست حكما على كل فرد عاش في ذلك الزمن.

ويدخل في هذا القرن الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية علي وفاطمة والحسن والحسين، والعباس وابنه عبد الله، وجعفر بن أبي طالب، وغيرهم من آل البيت الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم. فخيرية القرن الأول تشمل الصحابة وآل البيت معا. ومن طعن في هذا القرن وجعله شر الخلق إلا من استثناه (13) فقد طعن في الجيل الذي نشأ فيه آل البيت، وعاشوا مع أهله، وزوجوهم وتزوجوا منهم، وقاتلوا معهم في سبيل الله. أما أهل السنة فيرون أن هذا القرن كله خير، وأن آل البيت والصحابة كانوا فيه جيلا واحدا ورسالة واحدة.


الهوامش

(1) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/292–293.

(2) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/293.

(3) رواه البخاري (3651)، ومسلم (2533)، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ووقع في شرح العقيدة الواسطية (2/293) عزوه إلى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر، والصواب أنه من حديث ابن مسعود، كما عزاه الشارح نفسه في موضع سابق (2/248).

(4) رواه البخاري (3650)، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما.

(5) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/294.

(6) المصدر السابق، 2/294.

(7) المصدر السابق، 2/293–294.

(8) المصدر السابق، 2/293.

(9) المصدر السابق، 2/293.

(10) نقله في شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/294، عن شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يعزه إلى كتاب معين.

(11) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/294.

(12) فتح الباري، لابن حجر، 7/6، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/295.

(13) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/293.