سلسلة الصحابة وآل البيت (8): الإمساك عمّا شجر بين الصحابة رضي الله عنهم في عقيدة أهل السنّة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فبعد مقتل عمر رضي الله عنه بدأت بين الصحابة خلافات، واشتدت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه حتى بلغت القتال (1). وهذه الأحداث هي أكثر ما يستعمله من يطعن في الصحابة. ولذلك قرر أهل السنة فيها أصلا ثابتا، وهو أنهم «يمسكون عما شجر بين الصحابة» (2)، أي عما وقع بينهم من نزاع. وهذا الإمساك لا يعني إنكار ما وقع، ولا الجهل به. معناه أن المسلم لا يجعل تلك الأحداث سببا للطعن في الصحابة، ولا مادة للخصومة والبغضاء بين المسلمين.
ويقوم هذا الأصل على أن ما جرى بينهم كان عن اجتهاد وتأويل، وكان كل فريق منهم يظن أنه على الحق. فلا يصح أن يقال إن عائشة والزبير رضي الله عنهما قاتلا عليا رضي الله عنه وهما يعتقدان أنهما على باطل (3). لكن اعتقاد المرء أنه على الحق لا يعني أنه أصاب الحق. والذي أخطأ منهم بعد اجتهاد يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (4). فالمخطئ منهم مأجور على اجتهاده، والمصيب له أجران، ولا يُؤثم واحد منهما.
وللمسلم أمام هذه الأحداث موقفان يجب التفريق بينهما: الحكم على من فعل، وموقفه هو ممن فعل. فأما الحكم فهو أن ما جرى صدر عن اجتهاد، وأن صاحب الاجتهاد إذا أخطأ معذور مغفور له. وأما الموقف فهو أن يمسك عن الخوض في ذلك، لأن من يتخذ أفعالهم سببا للسب والشتم «إما آثم وإما سالم، وليس غانما أبدا» (5). وهذه موازنة واضحة: الخوض في ذلك لا ربح فيه، وأحسن أحواله أن يسلم صاحبه من الإثم. ولهذا لا يقرأ أهل العلم أخبار تلك الفتن إلا عند الحاجة إليها.
والروايات التي تذكر مساوئ الصحابة ثلاثة أقسام. القسم الأول كذب لم يقع أصلا، وهو كثير فيما يرويه النواصب عن آل البيت وفيما يرويه الروافض عن غيرهم. والقسم الثاني له أصل، لكن زيد فيه ونقص منه وغُير عن وجهه. وهذان القسمان يجب ردهما. والقسم الثالث صحيح، وأصحابه معذورون فيه، فهم إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون (6). فأول ما يجب على من يقرأ تاريخ الفتنة أن يسأل عن صحة الرواية، وكثير من الصور المتداولة عنها تقوم على روايات من القسمين الأولين.
وهذا العذر لا يعني التسوية بين الفريقين في الصواب. فعلي رضي الله عنه أقرب إلى الصواب من معاوية رضي الله عنه، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية» (7). وقد قتل عمار في جيش معاوية، فعلم بذلك أن تلك الفئة كانت باغية خارجة على الإمام، لكنها كانت متأولة، والصواب مع علي إما قطعا وإما ظنا (8). ومع ذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم الطائفتين بالإسلام، فقال في الحسن بن علي رضي الله عنهما: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (9). والذي أصلح الله به بين الطائفتين حفيد النبي صلى الله عليه وسلم، الحسن بن علي. فالإصلاح بين المسلمين وجمع كلمتهم بعد الفرقة كان من مناقب آل البيت.
ولا يعتقد أهل السنة أن كل صحابي معصوم من الكبائر والصغائر، فالذنوب تجوز عليهم كما تجوز على غيرهم من البشر، وإنما العصمة في إجماعهم (10). وقد وقع من بعضهم ذنوب أقيم عليهم فيها الحد، كما في حادثة الإفك (11). لكن لهم من الأسباب ما يمحو هذه الذنوب، وبعض هذه الأسباب خاص بهم وبعضها عام. فالخاص سوابقهم وفضائلهم التي لم يلحقهم فيها أحد. والعام التوبة، والحسنات التي تمحو السيئات، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وهم أحق الناس بها، والبلاء الذي يكفر الخطايا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصيبه أذى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» (12). فإذا كانت هذه الأسباب تمحو الذنوب التي ثبت أنهم وقعوا فيها، فالأمور التي اجتهدوا فيها أولى بألا تكون سببا للطعن فيهم (13).
ثم إن ما ينكر من أفعال بعضهم قليل جدا، مغمور في جنب فضائلهم: الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح (14). ومن نظر في سيرتهم بعلم وإنصاف عرف أنهم خير الخلق بعد الأنبياء. أما من جمع أخطاءهم وترك محاسنهم فقد ظلمهم، وظلم الأمانة العلمية قبل ذلك.
الهوامش
(1) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/285.
(2) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/285.
(3) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/285.
(4) رواه البخاري (7352)، ومسلم (1716)، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
(5) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/286، بتصرف يسير في الصيغة.
(6) انظر: المصدر السابق، 2/286–287.
(7) رواه البخاري (447)، ومسلم (2915)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(8) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/287–288.
(9) رواه البخاري (2704)، عن أبي بكرة رضي الله عنه.
(10) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/288–289.
(11) المصدر السابق، 2/288.
(12) رواه البخاري (5660)، ومسلم (2571)، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(13) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/289–291.
(14) المصدر السابق، 2/292.