سلسلة الصحابة وآل البيت (1): وسطية أهل السنة في الصحابة وآل البيت بين الغلاة والجفاة

موقف المسلم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ومن قرابته ليس مسألة تاريخية يختار فيها ما يشاء. هو أصل من أصول الاعتقاد، ولذلك جعله شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن المواضع التي يتوسط فيها أهل السنة بين طرفين منحرفين، فقال في «العقيدة الواسطية»: «وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج» (1). ومن هذه العبارة القصيرة تبدأ هذه السلسلة، لأنها تحدد الميزان الذي توزن به المسائل بعدها.

يعرف الصحابي بأنه «الذي اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك» (2). وينبه إلى أن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فيكفي في صحبته أن يلقاه المؤمن ولو لحظة واحدة، ويعلل ذلك بقوله: «لأنه إذا اجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنا به فقد التزم اتباعه». أما صحبة غيره فلا تثبت إلا بملازمة طويلة يستحق بها المرء أن يسمى صاحبا (3). ومعنى ذلك أن الصحبة شرف تحقق بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان به، وأن الحكم على الصحابة ليس حكما على أفراد عاديين من التاريخ، بل على الجيل الذي اختاره الله لصحبة نبيه.

وقد عرف التاريخ الإسلامي في هذا الباب انحرافين متقابلين.

الأول طريق الرافضة. يذكر ابن عثيمين أنهم سموا بذلك لأنهم سألوا زيد بن علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر، يريدون منه أن يطعن فيهما، فقال: «نعم الوزيران وزيرا جدي»، فرفضوه وتركوه (4). ويلخص حالهم بأنهم «غلاة في علي بن أبي طالب وآل البيت، وأشدهم كرها للصحابة»، يبغضونهم بقلوبهم، ويسبونهم بألسنتهم، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت ونفرا قليلا (5). وفي القصة دلالة تستحق الوقوف عندها: أول من رد هذا الغلو واحد من آل البيت نفسه، وهو زيد بن علي، فصار الثناء على الشيخين موقفا يلتقي عليه أهل السنة وأعلام العترة.

والثاني طريق الخوارج والنواصب. فالخوارج كفروا علي بن أبي طالب، وكفروا معاوية بن أبي سفيان، واستحلوا دماء المسلمين (6)، فانطبق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (7). وأما النواصب فهم «الذين ينصبون العداء لآل البيت، ويقدحون فيهم، ويسبونهم» (8). ويبين ابن عثيمين كيف نشأ هذا الانحراف، فيقول: «قابلوا البدعة ببدعة، فلما رأوا الرافضة يغلون في آل البيت قالوا: إذا نبغض آل البيت ونسبهم»، ثم يقرر أن «مقابلة البدعة ببدعة لا تزيد البدعة إلا قوة» (9). وهذه قاعدة تصلح ميزانا في كل خلاف: الرد على الغلو لا يكون بغلو مضاد، وإنما بالرجوع إلى الحق الذي تركه الطرفان.

وبين هذين الطرفين يقف أهل السنة والجماعة. وأساس موقفهم أنهم لا يجعلون حب آل البيت سببا لبغض الصحابة، ولا يجعلون حب الصحابة سببا للجفاء مع آل البيت. ويشرح ابن عثيمين ذلك بقوله: «نحن ننزل آل البيت منزلتهم، ونرى أن لهم حقين علينا: حق الإسلام والإيمان، وحق القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ويضيف أن من حق هذه القرابة «أن ننزلها منزلتها، وأن لا نغلو فيها» (10). فإذا اجتمعت في الواحد منهم الصحبة والقرابة كانت حقوقه ثلاثة: «حق الصحبة، وحق الإيمان، وحق القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم» (11). فالحقوق عند أهل السنة تزيد بزيادة أسبابها، ولا يلغي حق منها حقا آخر، وهذا خلاف منطق المقابلة الذي يعلي طرفا بإسقاط الآخر.

وأما سائر الصحابة فلهم عند أهل السنة التوقير والإجلال والترضي. ويستدلون لذلك بدعاء المؤمنين الذي حكاه القرآن: {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر: 10]. وقد لخص ابن عثيمين الموقف كله بقوله: «ولا نعادي أحدا منهم أبدا؛ لا آل البيت، ولا غيرهم؛ فكل منهم نعطيه حقه؛ فصاروا وسطا بين جفاة وغلاة» (12). وفي قوله «كل منهم نعطيه حقه» خلاصة المنهج: هو ميزان عدل يعطي كل فرد حقه، وليس انحيازا إلى فريق دون فريق.

ومن هنا تنطلق مقالات هذه السلسلة. فالمقالة القادمة تتناول الأصل العملي لهذا الموقف: سلامة القلوب والألسنة للصحابة، كما دلت عليه آية الحشر وحديث «لا تسبوا أصحابي».

الهوامش

(1) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/74.

(2) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/74.

(3) المصدر السابق، 2/249.

(4) المصدر السابق، 2/75، و2/283. وأحال محقق الشرح في سبب التسمية إلى: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، 1/34.

(5) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/282–283، و2/75.

(6) المصدر السابق، 2/76.

(7) رواه البخاري (6930)، ومسلم (1066)، عن علي رضي الله عنه.

(8) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/283.

(9) المصدر السابق، 2/284–285.

(10) المصدر السابق، 2/76.

(11) المصدر السابق، 2/249.

(12) المصدر السابق، 2/76.