آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم (سورة التوبة)

قوله تبارك وتعالى : ((الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)) ((يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ)) ((خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)).

تأتي هذه الآيات الكريمة عقب قوله تعالى : ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) زيادة بيان في فضل الهجرة والجهاد في سبيل الله، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبق هذه الأمة لهذا الفضل العظيم وأحق به، وأولاهم بالبشرى من الله تعالى ورحمته ورضوانه، وتحقق لهم هذا – فضل الله تعالى – في قوله عز وجل في نفس السورة : ((لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) ((أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)).

وفيها : بيان جلى في الثناء من الحق تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم والذين أمنوا معه من المهاجرين والأنصار الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ووصفهم بأنهم هم الفائزون وبأنهم هم المفلحون؛ وقد كرر الحق تبارك وتعالى : ((أُوْلَئِكَ)) ليفيد زيادة التأكيد في التقرير بأن لهم الخيرات في الآخرة في الجنات والنعيم المقيم، ويأتي الضمير ((هُمُ)) ليفيد تخصيص أعيانهم بأنهم هم الفائزون وهم المفلحون، ومن رغب في هذا الفوز وهذا الفلاح فاليهتدي بهديهم ويسير على نهجهم رضي الله تعالى عنهم. وأما من أتبع غير سبيلهم وطعن عليهم وكفرهم فلن يكون من الفائزين والمفلحين أبداً، ولن ينال بشرى الرحمن بالرحمة والرضوان (({وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)) ((وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)) والسبيل هنا : كتاب الحق تبارك وتعالى، وهو كما عَلِمنا يقيناً حافل بالثناء والتكريم للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقوله تعالى : ((وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)) نظير قوله تعالى في سورة النساء : ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا)).

فَسَبُّ من وصفهم الله تعالى بأنهم المفلحون وهم الفائزون مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم وانحراف عن سبيل المؤمنين وخيرهم وأفضلهم المهاجرون والأنصار الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمكين لدين الله تعالى لتكون كلمة الله هي العليا.

قوله تبارك وتعالى : ((إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))

هذه الآية خاصة في بيان فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهي دليل قرآني عظيم بأنه أفضل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ونص من الله تعالى على صحبته رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، والآية تأتي عتاباً للمؤمنين وحثا لهم لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن أبا بكر رضي الله عنه لم يشمله هذا العتاب، وهذا القول مروى عن علي رضي الله عنه والحسن، قال الألوسي – رحمه الله – في روح المعاني : ((أخرج ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ : ((إن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله تعالى، قال : ((إلا تنصروه)) الخ))).

وقوله تعالى : ((فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)). قال الزجاج : ((يجوز أن تكون الهاء التي في عليه لأبي بكر، وجائز أن تكون ترجع على النبي صلى الله عليه وسلم([2]))) ((وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في قوله ((فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)) قال : على أبى بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه)) وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت ((فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ)) قال : على أبي بكر)). أما الضمير في قوله تعالى : ((وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا)) فلا يصح إلاًّ للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولا عبرة بقول من يقول : أن الأصل في المعطوفات التعانق وعدم التفكك؛ لأن تفكك الضمائر لا يضر إذا كان المراد من كل منها ظاهراً لا إشتباه فيه)

والذي يترجح عندي : أن سكينة الله في هذه الآية تنزلت على أبى بكر رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، ثم أن الله تبارك وتعالى ذكر نزول ((سَكِينَتَهُ)) على رسوله صلى الله عليه وسلم في موضعين في القرآن وهما في سورتي التوبة والفتح : ((ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) – التوبة 26 -)) ((فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) – الفتح -26- ؛ وفي هذه الآية لم يذكر نزول السكينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن السكينة لم تزل معه صلى الله عليه وسلم، فكان الأرجح أن يكون نزول السكينة في هذه الآية على أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ولم تفارقه السكينة رضي الله عنه مدة حياته المباركة، فكان أثبت الصحابة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وعند حديث السقيفة وعند ارتداد العرب.