الصحابة المبشرون بالجنة (11): سعد بن معاذ رضي الله عنه
هو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبو عمرو، سيد الأوس وحامل لوائها، وأحد كبار الصحابة وأعلامهم. وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة رضي الله عنها. وقد كان رضي الله عنه مهيبا جليلا، عظيم القدر في قومه قبل الإسلام وبعده، فلما هداه الله إلى الإيمان كان إسلامه فتحا عظيما لقومه أجمعين.
أسلم رضي الله عنه على يد الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قبل الهجرة يعلم الأنصار أمور دينهم ويقرئهم القرآن. فلما أسلم سعد قال لبني عبد الأشهل قومه: «كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا»، فأسلموا جميعا(1)، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام، إذ دخل ببركته في دين الله خلق كثير دفعة واحدة. وقد شهد رضي الله عنه غزوة بدر الكبرى – ولم يختلف أهل العلم في ذلك – وشهد أحدا والخندق وسائر المشاهد التي حضرها قبل وفاته(2).
ومن أعظم مواقفه التي خلّدها التاريخ موقفه في غزوة بني قريظة، فقد روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى سعد بن معاذ ليحضر فيحكم في بني قريظة، فأقبل على حمار، فلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم قال: قوموا إلى سيدكم – أو قال: إلى خيركم – فقال: احكم فيهم. قال: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حكمت بحكم الملك» وفي رواية: «بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»(3). وفي هذا الموقف من الدلائل ما لا يخفى على متأمل، فقد وافق حكم سعد رضي الله عنه حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات، وهو شرف لم يحصل لكثير من الصحابة.
وكان رضي الله عنه قد رمي يوم غزوة الخندق رمية أصابت أكحله، فحسمها له النبي صلى الله عليه وسلم بالنار، ثم بقي حيا حتى حكم في بني قريظة، ثم فاضت روحه إلى ربها بعد أن قضى ما قضى. روى الترمذي وحسنه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار، فانتفخت يده، ونزفه الدم، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني في بني قريظة. فاستمسك عرقه فما قطر قطرة، حتى نزل بنو قريظة على حكمه، وكان حكمه فيهم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم، فيستعين بها المسلمون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبت حكم الله فيهم. وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات»(4). وفي إجابة دعائه رضي الله عنه آية بينة على صلاحه ومنزلته عند الله، إذ أمسك الله عليه دمه حتى يرى ما تمنى، ثم قبضه إليه شهيدا.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن منزلة سعد العظيمة في غير حديث، فقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن بعد النبي صلى الله عليه وسلم أحد من المسلمين أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر»(5). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ»(6). قال الحافظ ابن حجر: «وهو حديث روي من وجوه عدة كثيرة متواترة، رواها جماعة من الصحابة»، وفي هذا غاية المنزلة وأعلى الفضل، إذ تأثر العرش لموته، وهو دليل ظاهر على عظم قدره عند الله تبارك وتعالى. وقد تكلم العلماء في معنى اهتزاز العرش، فقيل: اهتز فرحا بقدوم روحه الطاهرة، وقيل: اهتز أهله من الملائكة، والأول هو الذي يقتضيه ظاهر النص ولا مانع منه عقلا ولا شرعا، وإليه ذهب جمهور أهل السنة.
ومما ورد في فضله أيضا، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير، فجعلنا نلمسه ونتعجب منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا؟ قلنا: نعم. قال: مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا»(7). وفي هذا الحديث بشارة صريحة لسعد رضي الله عنه بأنه من أهل الجنة، إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مناديله في الجنة – وهي من أحقر متاع البيت – أفضل من هذا الحرير الذي تعجب منه الصحابة، وذلك تنبيه على عظيم نعيم الجنة وعلو منزلة سعد فيها.
وقد قال بعض شعراء الأنصار يرثيه ويذكر منزلته:
ومـا اهتز عرش الله من موت هالـك ::: سمعنا به إلا لسعـد أبي عمـرو(8)
والبشارة لسعد رضي الله عنه بالجنة قد تواترت من جهتين: الأولى ما تقدم من شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأن مناديله في الجنة، وهي شهادة صريحة قاطعة، والثانية ما ثبت من اهتزاز العرش لموته، وذلك من خصائصه التي لا يبلغها إلا أصفياء الله من خلقه. فرضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
الهوامش:
(1) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/435).
(2) ينظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (1/422).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب إذا نزل العدو على حكم رجل، برقم (2907)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد، برقم (1768).
(4) أخرجه الترمذي في سننه برقم (1582) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، والنسائي في السنن الكبرى برقم (8679).
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (3/254).
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب سعد بن معاذ، برقم (3592)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل سعد بن معاذ، برقم (2461).
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب ما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا، برقم (5498) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (2469) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(8) ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (1/181)، وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (1/442)، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (3/84).