فضائل ومناقب عثمان بن عفّان رضي الله عنه
كان عثمان بن عفان رضي الله عنه من أعظم الصحابة فضلًا ومنزلة، شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان، وبشره بالجنة، وخلّد مواقفه في البذل والتضحية، حتى صار مثالًا خالدًا في السخاء، والثبات، واليقين.
ومن أعظم دلائل فضله ما وقع في غزوة تبوك، حين جهّز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العُسرة في وقت الشدة والضيق، فجاء عثمان رضي الله عنه بألف دينار في ثوبه، فصبّها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي يقلبها بيده الشريفة ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم»، يرددها مرارًا، شهادة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم بعلو منزلة عثمان وصدق إخلاصه وعظيم عمله.¹
وهذا الموقف وحده كافٍ ليبين مكانته في ميزان الإيمان، إذ لم يكن عطاؤه مجرد مال، بل كان تضحية في وقت الحاجة، وإيثارًا في زمن الشدة.
كما بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة مع البلاء، فقال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما استأذن عثمان:
«افتح وبشره بالجنة على بلوى تكون»، فكانت بشارة بالجنة مقرونة بالصبر على الابتلاء، في دلالة عظيمة على رفعة مقامه عند الله تعالى، وأن ما سيصيبه من محن إنما هو رفعة في الدرجات وزيادة في الأجر.²
وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة، فقال عليه الصلاة والسلام حين صعد جبل أُحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف الجبل:
«اسكن أُحد، فليس عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان»، فكان عثمان أحد الشهيدين المذكورين في هذا الحديث العظيم، شهادة نبوية صريحة بمآله الشريف وخاتمته العظيمة.³
ومن دلائل مكانته كذلك ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر برؤيا عظيمة، ذكر فيها وزن الأمة ثم وزن الخلفاء، فقال إن الأمة وُضعت في كفة فرجحت، ثم وُضع أبو بكر فرجح، ثم عمر فرجح، ثم عثمان فرجح، ثم رُفعت الموازين، في إشارة إلى علو منزلة عثمان، وعلو قدره في ميزان الله تعالى.⁴
وهكذا تتضافر النصوص النبوية لتؤكد أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يكن مجرد صحابي جليل، بل كان قمة في الإيمان، وذروة في السخاء، ونموذجًا في الصبر، ومثالًا خالدًا في التضحية، حتى استحق أن يُذكر في أعظم البشارات، وأن يُخلّد اسمه في سجل الخالدين من أولياء الله الصالحين، رضي الله عنه وأرضاه.
الهوامش:
(1) أخرجه أحمد في « المسند » (5/63)، وفيه كثير بن أبي كتير مولى عبد الرحمن بن سمرة وهو مجهول. وقد حسنه العلامة الألباني في « مشكاة المصابيح » (6064).
(2) متفق عليه: « صحيح البخاري »، كتاب المناقب، باب مناقب عثمان، حديث (3695)، و« صحيح مسلم »، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان بن عفان، حديث (2403).
(3) متفق عليه: « صحيح البخاري »، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم « لو كنت متخذًا خليلًا » حديث (3675)، وأخرجه مسلم في « صحيحه »، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير، من حديث أبي هريرة (2417).
(4) أخرجه أحمد في « المسند » (2/76)، وفيه عبيد الله بن مروان مجهول، والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر، حديث (5469).