المأخذ الرابع على عثمان بن عفان رضي الله عنه: مسألة الإتمام في السفر والردّ العلمي عليها

من الشبهات التي أُثيرت حول خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ما سُمّي بـ المأخذ السابع: الإتمام في السفر، حيث استدل بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة في السفر، وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وأن عثمان رضي الله عنه صلى في أول خلافته ركعتين في السفر، ثم أتم بعد ذلك، فجُعل هذا الفعل مطعنًا عليه، وصُوِّر كأنه مخالفة للسنة النبوية وخروج عن منهج الخلفاء الراشدين.

والحقيقة أن هذا الطعن مبني على جهل فقهي ومنهجي؛ لأن هذه المسألة مسألة فقهية اجتهادية، لا مسألة عقدية ولا أصلًا من أصول الدين، وقد اجتهد فيها عثمان رضي الله عنه، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وهذا هو الميزان الشرعي في حق المجتهدين من أهل العلم، فكيف إذا كان المجتهد خليفة راشدًا، من كبار الصحابة، ومن أئمة الهدى؟ ثم يُقال قبل كل شيء: على فرض الخطأ، فهل الخطأ الاجتهادي يبيح دم عثمان؟ وهل في الأمة معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأي تاريخ هذا الذي يجعل مسائل الفقه الاجتهادية ذريعة لسفك الدماء والطعن في العدالة والشرعية؟

ثم إن التحقيق الفقهي في المسألة يُبيّن أن القصر في السفر ليس واجبًا عند جمهور أهل العلم، بل هو سنة مستحبة عند أكثر الفقهاء، ومنهم مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد، كما قرره أهل العلم في كتب الفقه(2). وعلى هذا القول، فإن عثمان رضي الله عنه لم يترك واجبًا، ولم يرتكب محرمًا، وإنما ترك مستحبًا وفعل جائزًا، أو ترك الرخصة وأخذ بالعزيمة، وهذا لا يُعدّ خطأً شرعيًا أصلًا، فضلًا عن أن يكون مطعنًا في عدله أو دينه أو خلافته.

أما سبب إتمام عثمان رضي الله عنه للصلاة في السفر، فقد ذكر أهل العلم له تعليلين مشهورين، كلاهما قائم على الاجتهاد الشرعي والمصلحة العامة. الأول: أنه تأهّل في مكة – أي تزوّج فيها – فكان يرى أنه في بلد له فيه إقامة واستقرار، فلا يرى نفسه مسافرًا من هذا الوجه، فأتم الصلاة بناءً على هذا الاجتهاد الفقهي. والثاني: أنه خشي أن يُفتن الأعراب ومن لا علم عندهم، فيظنوا أن الصلاة في أصلها ركعتان، فيرجعوا إلى بلادهم فيقصروا الصلاة في الحضر، فأتم الصلاة ليُبيّن لهم أن أصل الصلاة أربع ركعات، وأن القصر رخصة لا أصل، فكان فعله تعليميًا تربويًا قبل أن يكون اجتهادًا فقهيًا فرديًا، والعلم عند الله تعالى.

وهذا المعنى تؤيده آثار الصحابة أنفسهم، فقد ثبت أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أتمت في السفر، فلما سُئل عروة بن الزبير عن فعلها قال: «تأولت كما تأول عثمان»، أي اجتهدت اجتهادًا فقهيًا مثل اجتهاد عثمان رضي الله عنهما جميعًا، فدلّ ذلك على أن المسألة اجتهادية محضة، وأن فعل عثمان لم يكن بدعة ولا مخالفة للسنة، بل اجتهادًا معتبرًا في دائرة الخلاف الفقهي المشروع(1).

بل إن بعض الروايات حتى في كتب المخالفين تشير إلى تفضيل الإتمام في بعض المواضع، كما جاء في بعض الآثار عن جعفر الصادق أن الإتمام أفضل في الحرمين، مما يدل على أن المسألة لم تكن محل إجماع على القصر، بل كانت دائرة اجتهاد وتأويل واختلاف فقهي معروف.

وعليه، فإن تصوير إتمام عثمان للصلاة في السفر على أنه مأخذ عليه، هو قلب للميزان الشرعي والعلمي، لأن القضية في حقيقتها مسألة فقهية اجتهادية لا يترتب عليها طعن في العدالة، ولا في الدين، ولا في الخلافة، ولا في الأمانة، ولا في المنهج. ولم يقل أحد من أئمة أهل السنة إن فعل عثمان في هذه المسألة يُنقص من فضله، أو يمسّ خلافته، أو يقدح في عدله.

وهكذا يتبيّن أن هذا “المأخذ” لا يعدو أن يكون شبهة مصطنعة، بُنيت على تضخيم مسألة فقهية اجتهادية، وتحويلها من خلاف علمي مشروع إلى طعن سياسي وعقدي، وهو مسلك باطل في المنهج، فاسد في النظر، مخالف لطريقة أهل العلم في التعامل مع الخلاف الفقهي.

فثبت أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يخالف سنة ثابتة مخالفة محرمة، ولم يترك واجبًا شرعيًا، ولم يأتِ بدعة في الدين، وإنما اجتهد في مسألة فقهية، فإما أن يكون مصيبًا فله أجران، وإما أن يكون مخطئًا فله أجر واحد، ولا يكون ذلك مطعنًا عليه بحال، بل يبقى إمامًا راشدًا، خليفةً مهديًا، عدلًا في دينه، حكيمًا في اجتهاده، رضي الله عنه وأرضاه.

الهوامش:

(1) أخرجه أحمد في « فضائل الصحابة » (1/470 رقم 765) بسند صحيح.
(2) « المغني » لابن قدامة (2/54).
(3) جاء في كتاب « الكافي » للكليني (4/524) عن جعفر الصادق: أن الإتمام أفضل في الحرمين.