المأخذ الثاني على عثمان بن عفان رضي الله عنه: دعوى نفي أبي ذر إلى الربذة والردّ العلمي عليها

من الشبهات المشهورة التي أُثيرت حول خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه دعوى أنه نفى الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه إلى الربذة قسرًا، أو أنه عاقبه وأبعده ظلمًا بسبب مواقفه، وهي شبهة قديمة، بُنيت في أصلها على روايات ضعيفة غير ثابتة، ثم نُقلت في كتب التاريخ دون تحقيق علمي دقيق، حتى صارت تُروى وكأنها حقيقة مسلّمة.

وأصل هذه الدعوى ما رواه الطبري وغيره من طريق سيف بن عمر، أن معاوية رضي الله عنه وقع بينه وبين أبي ذر كلام، فأرسل إلى عثمان يقول: إن أبا ذر قد أفسد الناس علينا، فأمر عثمان بإرساله إليه، ثم انتهى الأمر بخروج أبي ذر إلى الربذة.¹ وهذه الرواية من روايات سيف بن عمر، وهو راوٍ متروك عند أهل الحديث، متهم بالكذب، لا يُحتج بروايته في باب من أبواب العقائد ولا في الوقائع التاريخية الكبرى، فلا تقوم بها حجة، ولا يصح أن تُجعل أساسًا للطعن في خليفة راشد ولا في صحابي جليل.

وفي مقابل هذه الرواية الضعيفة، ثبتت الرواية الصحيحة في أصح الكتب، وهي رواية الإمام البخاري في صحيحه، التي نقلت القصة كما وقعت دون تهويل ولا تحريف ولا تشويه. فقد روى زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر، فقلت: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت أنا: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إلى عثمان يشكوني أني أتكلم في هذه المسائل وأثير الناس، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: «إن شئت تنحيت فكنت قريبًا»، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت.²

وهذه الرواية الصحيحة الصريحة تقطع مادة الشبهة من أصلها، وتُبيّن الحقيقة كما هي دون زيادة ولا نقصان؛ فلم يكن هناك نفي ولا طرد ولا عقوبة، ولم يُرسل أبو ذر مقيّدًا ولا مهانًا، ولم يأمر عثمان رضي الله عنه بإبعاده، وإنما حصل خلاف علمي فقهي بين أبي ذر ومعاوية رضي الله عنهما في مسألة كنز الذهب والفضة، وهي مسألة اجتهادية معروفة، كان لأبي ذر فيها رأي خاص يخالف فيه جمهور الصحابة، إذ كان يرى أن الإنسان لا يجوز له أن يحتفظ بمال زائد عن حاجته ولو أخرج زكاته، بينما كان جمهور الصحابة يرون جواز ذلك ما دامت الزكاة تُخرج، وهو القول الذي استقر عليه إجماع الأمة بعد ذلك. ولهذا بوّب الإمام البخاري في صحيحه: «باب: ما أُدِّيَت زكاته فليس بكنز»، وذكر هذه الرواية في هذا الباب، ليبيّن أن المسألة فقهية اجتهادية لا سياسية ولا عقدية.

فلما كثُر الناس على أبي ذر في المدينة، وأصبح محط أنظار العامة بسبب زهده وكلامه، خشي عثمان رضي الله عنه عليه الفتنة، وخشي على الناس الاضطراب، فقال له بكل لطف ورحمة: «إن شئت تنحيت فكنت قريبًا»، أي اختر مكانًا هادئًا قريبًا من المدينة، لا عزلة قسرية ولا نفيًا ولا عقوبة، فاختار أبو ذر بنفسه الربذة، وقال كلمته العظيمة التي تدل على كمال طاعته ورضاه: «ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت»، فكانت خروجه اختيارًا لا إكراهًا، وقرارًا لا عقوبة.

بل زادت النصوص الصحيحة بيانًا لهذه الحقيقة، فقد ورد أن أبا ذر لما خرج إلى الربذة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها»،³ أي أنه رأى في خروجه امتثالًا لتوجيه نبوي، لا ظلمًا سياسيًا ولا اضطهادًا سلطويًا. كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في أبي ذر: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة وحده»،⁴ في إشارة إلى خصوصية شخصيته، وطبيعة طريقه في الحياة، وزهده، وانفراده بمسلك خاص في العبادة والزهد، لا إلى كونه مظلومًا أو منفيًا أو مضطهدًا.

وعليه، فدعوى أن عثمان رضي الله عنه نفى أبا ذر إلى الربذة دعوى باطلة سندًا، محرّفة مضمونًا، مخالفة للرواية الصحيحة، ومناقضة لما في صحيح البخاري، الذي هو أوثق مصادر التاريخ الإسلامي. والحقيقة الثابتة أن أبا ذر خرج إلى الربذة باختياره، وبإذن عثمان، وبأسلوب تكريم لا إهانة، وبمعاملة رحيمة لا عقوبة، ولم يكن ذلك نفيًا ولا طردًا ولا إبعادًا، وإنما تنظيمًا للمصلحة العامة، وحفظًا للدين، وصيانة للمجتمع من الفتن، مع حفظ مكانة الصحابي الجليل أبي ذر رضي الله عنه.

وهكذا تسقط هذه الشبهة كما سقطت سابقتها، ويتبين أن ما نُسب إلى عثمان رضي الله عنه في هذا الباب ليس إلا نتاج روايات ضعيفة، وتضخيم تاريخي، وتوظيف سياسي للقصص، بينما التاريخ الصحيح، والروايات الثابتة، والمنهج العلمي، كلها تشهد بعدل عثمان، وحكمته، ورحمته، وإنصافه، وتجرده، وحسن سياسته، رضي الله عنه وأرضاه.

الهوامش:

(1) « تاريخ الطبري » (3/335).
(2) « صحيح البخاري »، كتاب الزكاة، باب ما أُدِّيَت زكاته فليس بكنز، حديث (1406).
(3) « الطبقات » لابن سعد (4/226).
(4) أخرجه الحاكم (3/50) وصححه، وقال الذهبي: «فيه إرسال، وفيه بريد بن سفيان وهو ضعيف جدًا».