المأخذ الثالث على عثمان بن عفان رضي الله عنه: قضية إحراق المصاحف والردّ العلمي عليها
من أكثر الشبهات تداولًا حول خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه شبهة إحراق المصاحف، وقد صُوِّرت في بعض الكتابات تصويرًا مضللًا يوحي بأن عثمان أقدم على فعل خطير يمسّ كتاب الله، بينما الحقيقة التاريخية والشرعية على العكس من ذلك تمامًا؛ فإن هذا العمل من أعظم مناقبه، وأجلّ حسناته، وأوضح دلائل حكمته وبعد نظره في حفظ القرآن وصيانة الأمة من الاختلاف والافتراق.
وتبدأ القصة كما ثبتت في أصح الروايات، حين قدم الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه بعد مشاركته في الفتوحات، وقد رأى بأم عينه اختلاف الناس في قراءة القرآن اختلافًا شديدًا، حتى صار بعضهم يكفّر بعضًا بسبب وجوه القراءة، فخاف على الأمة من فتنة عظيمة تمس أصل الدين، فقال لعثمان رضي الله عنه محذرًا: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى، وطلب منه أن يجمع الناس على قراءة واحدة وأن يُوحِّد المصحف.¹
فاستجاب عثمان رضي الله عنه لهذا الخطر العظيم، وأمر بجمع القرآن مرة ثانية جمعًا رسميًا موحّدًا، اعتمادًا على الصحف التي جُمعت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والتي كانت محفوظة عند حفصة رضي الله عنها، وشكّل لجنة من كبار الصحابة القرّاء، ثم أمر بنسخ المصاحف المعتمدة، وإرسالها إلى الأمصار، وأمر بإحراق ما خالفها من المصاحف الخاصة.
وهنا وقع الإشكال عند من لم يفهم حقيقة ما أُحرق، فتوهموا أن عثمان أحرق القرآن، أو ألغى قراءات، أو غيّر النص، والحقيقة أن المصاحف التي أُحرقت لم تكن قرآنًا زائدًا ولا نصوصًا مفقودة، وإنما كانت تشتمل على أمور ثلاثة معروفة عند أهل العلم: منها ما كان فيه منسوخ التلاوة مما بقي مكتوبًا عند بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة، ومنها ما كان فيه ترتيب للسور على غير ترتيب العرضة الأخيرة التي عرض فيها جبريل عليه السلام القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، ومنها ما كان فيه تفسيرات وتعليقات خاصة كتبها بعض الصحابة في هوامش مصاحفهم على سبيل البيان لا على سبيل النص القرآني.
فكان قرار عثمان رضي الله عنه بإحراق هذه المصاحف الخاصة قرار توحيدٍ لا إلغاء، وقرار حفظٍ لا إفساد، وقرار صيانةٍ لا تحريف؛ إذ لم يُحرق قرآنًا منزلًا، ولم يُلغِ آية ثابتة، ولم يُسقط حرفًا متواترًا، وإنما وحّد الأمة على المصحف المعتمد الموافق للعرضة الأخيرة، وترك القراءات الثابتة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة في إطار هذا المصحف، ولم يُلغِ القراءات الصحيحة.
وقد قال بعض أهل العلم: إن عثمان رضي الله عنه أبقى جميع الأحرف الثابتة في حدود الرسم العثماني، وقال آخرون: بل وحّد الناس على حرف واحد هو لسان قريش، وكلا القولين يدور في فلك واحد، وهو حسم الخلاف، ومنع الفتنة، وحفظ وحدة الأمة، دون مساس بجوهر القرآن ولا بنصه ولا بثبوته.
ولهذا قال الإمام ابن العربي رحمه الله كلمة جامعة في هذه القضية: «تلك حسنته العظمى، وخصلته الكبرى، فإنه حسم الخلاف وحفظ الله القرآن على يديه»(1).
وهي شهادة عالم محقق تدل على أن هذا الفعل كان أعظم منقبة لعثمان لا أعظم مثلبة.
فما فعله عثمان رضي الله عنه لم يكن إحراقًا للقرآن، بل كان حماية للقرآن، ولم يكن اعتداءً على النص، بل صيانة للنص، ولم يكن تفريقًا للأمة، بل توحيدًا للأمة، ولم يكن جريمة تاريخية، بل إنجازًا حضاريًا عقديًا حفظ الله به كتابه من التحريف والاختلاف والفتن.
ولهذا قال أهل العلم: إن جمع عثمان للمصحف وإحراق ما سواه هو من أعظم أعماله في الإسلام، ومن أكبر أسباب حفظ القرآن الكريم عبر القرون، حتى وصل إلينا محفوظًا متواترًا كما أنزل، لا زيادة فيه ولا نقصان، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.
وهكذا انقلبت الحقيقة عند أهل الأهواء، فجعلوا أعظم مناقبه من أعظم مثالبِه، وجعلوا الحفظ إفسادًا، والتوحيد تحريفًا، والصيانة عدوانًا، وصدق القائل:
ومن يكن ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ … يجد مرًّا به الماءَ الزلالا.
فثبت بالتحقيق العلمي، والروايات الصحيحة، وكلام الأئمة، أن قضية إحراق المصاحف ليست مأخذًا على عثمان بن عفان رضي الله عنه، بل هي من أعظم فضائله، وأجلّ حسناته، وأوضح دلائل حكمته، وبعد نظره، وعدله، وحرصه على وحدة الأمة وحفظ دينها، رضي الله عنه وأرضاه.
الهوامش:
(1) « صحيح البخاري »، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، حديث (4987).
(2) « العواصم من القواصم » لابن العربي (ص 80).