المبشّرون بالجنّة من الصحابة الكرام (3): ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه
هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشّره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، واستشهد في موقعة اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة اثنتي عشرة من الهجرة. وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس»(1). وقد شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الحاكم في المستدرك عن أنس رضي الله عنه: «أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ولبس ثوبين أبيضين فكفن فيهما، وقد انهزم القوم، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر من صنيع هؤلاء، بئس ما عودتم أقرانكم! خلوا بيننا وبينهم ساعة، فحمل فقاتل حتى قتل، وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل في النوم فقال له: إنها في قدر تحت إكاف، بمكان كذا وكذا، وأوصاه بوصايا، فنظروا فوجدوا الدرع كما قال، وأنفذوا وصاياه»(2).
وذكر الحاكم بإسناده إلى أبي محمد بن إسحاق قال: «استشهد ثابت بن قيس بن شماس يوم اليمامة، وكان أبو بكر قدمه على الأنصار مع خالد بن الوليد رضي الله عنه»(3). ثم روى في ترجمته أحاديث، منها ما رواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عطاء الخراساني قال: «قدمت المدينة، فأتيت ابنة ثابت بن قيس، فذكرت قصة أبيها، قالت: لما نزلت: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: 2] جلس أبي يبكي»، فذكرت الحديث، وفيه: «فلما استشهد، رآه رجل فقال: إني لما قتلت انتزع درعي رجل من المسلمين، وخبأه، فأكب عليه برمة، وجعل عليها رحلا، فائت الأمير فأخبره، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، وإذا أتيت المدينة فقل لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن علي من الدين كذا وكذا، وغلامي فلان عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه. فأتاه فأخبره الخبر، فنفذ وصيته، فلا نعلم أحدا بعد ما مات أنفذت وصيته غير ثابت بن قيس رضي الله عنه»(4).
وقد قتل محمد ويحيى وعبد الله، أبناء ثابت بن قيس، يوم الحرة. وعن الزهري: «أن وفد تميم قدموا، وافتخر خطيبهم بأمور، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فأجب خطيبهم. فقام فحمد الله وأبلغ، وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بمقامه»(5).
وقد ثبتت البشارة له بالجنة في خبر واحد، رواه ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينا، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر بالقول، حبط عملي وأنا من أهل النار. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال، فقال: لا، بل هو من أهل الجنة. قال أنس: وكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئس ما تعودون أقرانكم. فقاتلهم حتى قتل»(6).
الهوامش:
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (9421)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (337)، والترمذي في سننه برقم (3795)، وحسّن إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة (1/395).
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (3/260)، وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه». وقد أخرج البخاري أصل القصة دون ذكر استشهاده وقصة الدرع، ينظر: صحيح البخاري برقم (2690).
(3) ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/259).
(4) المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/261).
(5) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (2/562)، وينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (1/311)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (2/11).
(6) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (12422) واللفظ له، وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، برقم (4565)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله، برقم (119)، بأخصر مما هنا.