الصحابة المبشّرون بالجنة (26) : عائشة بنت الصديق رضي الله عنها

هي أمّ المؤمنين عائشة بنت الإمام الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ، أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة القرشية التيمية. وأمّها أمّ رومان بنت عامر الكنانية. كانت رضي الله عنها امرأة بيضاء جميلة، فلُقّبت بالحُمَيراء، وكانت أفقه نساء الأمة على الإطلاق.

تزوجها النبي ﷺ بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة ببضعة عشر شهرا، وقيل: بعامين، ثم دخل بها في شوال من السنة الثانية للهجرة منصرَفه من غزوة بدر، وهي ابنة تسع. ولم يتزوج النبي ﷺ بِكرا غيرها.

روت عن النبي ﷺ علما كثيرا طيبا مباركا فيه، حتى صارت مرجع كبار الصحابة في الفقه والحديث وأمور الديانة، وكانت كما قال الذهبي: “لا أعلم في أمة محمد ﷺ، بل ولا في النساء مطلقا، امرأة أعلم منها”. وقد عُدّ لها جملة من المناقب التي اختُصت بها دون سائر أمهات المؤمنين؛ من ذلك ما رُوي عنها أنها قالت: “لقد أُعطيتُ تسعا ما أُعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران: لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حتى أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، ولقد قُبض ورأسه في حِجري، ولقد قُبر في بيتي، ولقد حُفّت الملائكة ببيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه وإني لمعه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خُلقت طيّبة عند طيّب، ولقد وُعدت مغفرة ورزقا كريما” (1).

ومن أعظم ما يُستدلّ به على مكانتها عند النبي ﷺ ما ثبت في الصحيحين عنها قالت: كان الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة. فاجتمع صواحبها إلى أم سلمة فقلن لها: إن الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس أن يهدوا له أينما كان. فذكرت أم سلمة له ذلك، فسكت فلم يرد عليها، ثم عادت الثانية فلم يرد عليها، فلما كانت الثالثة قال: «يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» (2). وفي هذا دليل على أن فضلها على سائر أمهات المؤمنين كان بأمر إلهي اختصها الله به، يتجاوز مجرد المحبة الطبيعية.

وكانت رضي الله عنها مع علمها ومنزلتها بليغة الزهد في الدنيا، سخيّة باليد. روى ابن سعد عن عروة عن عائشة أنها تصدّقت بسبعين ألفا، وإنها لتُرقّع جانب درعها (3). وعن أم ذَرَّة قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين، يكون مئة ألف، فدعت بطبق فجعلت تقسم في الناس. فلما أمست قالت: هاتي يا جارية فِطري. فقلت لها: يا أم المؤمنين، أما استطعتِ أن تشتري لنا لحما بدرهم؟ قالت: لا تعنّفيني، لو أذكرتِيني لفعلت (4).

ومما يدل على شدة حيائها وتقواها أنها ـ كما روي ـ كانت إذا قرأت قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] بكت حتى تبلّ خمارها. وكان مسروق إذا حدّث عنها يقول: “حدّثتني الصدّيقة بنت الصدّيق، حبيبة حبيب الله، المبرّأة من فوق سبع سماوات فلم أكذّبها” (5). وقد نزل في تبرئتها قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، فعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 23] قال: “نزلت في عائشة خاصّة” (6).

ولم يَخفَ على المنصفين من أهل العلم أنها رضي الله عنها ندمت على مسيرها يوم الجَمل ندامة كلّية، وأنها لم تخرج إلا متأوّلة قاصدة للإصلاح بين الناس، فلما رأت ما آل إليه الأمر تاءبت من ذلك واسترجعت. روى ابن سعد عن قيس قال: قالت عائشة ـ وكانت تحدّث نفسها أن تُدفن في بيتها ـ: “إني أحدثتُ بعد رسول الله ﷺ حدثا، ادفنوني مع أزواجه”. قال الذهبي معلّقا: “تعني بالحدث: مسيرها يوم الجمل، فإنها ندمت ندامة كلّية، وتابت من ذلك، على أنها ما فعلت ذلك إلا متأوّلة قاصدة للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعة من الكبار، رضي الله عن الجميع” (7). ومما يجلّي مكانتها كذلك أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه ـ مع ما جرى بينهما ـ كان إذا ذكرها قال: “خليلة رسول الله ﷺ” (8).

توفيت رضي الله عنها سنة سبع وخمسين على الصحيح، وعمرها ثلاث وستون سنة وأشهر، ودُفنت بالبقيع كما أوصت (9).

وقد ثبتت لها البشارة بالجنة من طرق متعددة بلغت العشرة من الأوجه، فقد جاءت من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عائشة، ومن مرسل مسلم البَطين، وعن أبي وائل عن عمار بن ياسر، والقاسم بن محمد عن عائشة، وغيرهم. ومن أصحّ ذلك ما رواه عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث عليٌّ عمّارَ بن ياسر والحسنَ بن علي، فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل منه، فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيّكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنّ الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إيّاه تطيعون أم هي. وفي رواية: «هي زوجته في الدنيا والآخرة»، يعني عائشة (10).


الهوامش:

(1) أخرجه ابن أبي يعلى في مسنده (8/90)، وفي إسناده كلام؛ ضعّفه الدارقطني في علله (15/165).

(2) أخرجه البخاري (2442)، ومسلم (2442) بألفاظ متقاربة.

(3) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (6/67)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (2/47).

(4) المصدر السابق.

(5) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (2/44) من طريق أخرى عن مسروق، ولفظه: “حدّثتني الصدّيقة بنت الصدّيق حبيبة حبيب الله المبرّأة في كتاب الله”.

(6) أخرجه الحاكم في المستدرك (4/10) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(7) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (8/74)، والحاكم في المستدرك (4/7) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعليق الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/135) باختصار.

(8) أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/135) من طريق عاصم بن كليب عن أبيه، وحسّنه.

(9) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (2/135).

(10) أخرجه البخاري في صحيحه (6687)، والترمذي (3889)، والطبراني في المعجم الكبير (19054).