الصحابة المبشّرون بالجنّة (28) : أمّ زُفَر الحبشية رضي الله عنها

هي أمّ زُفَر الحبشية، صحابية جليلة من المبشّرات بالجنة، اختلفت الروايات في اسمها؛ فقيل: سُعَيرة، وقيل: شُقَيرة بمعجمة ثم قاف. ووصفها الرواة بأنها كانت امرأة سوداء طويلة، وقد رآها التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح بعينه على ستر الكعبة فيما بعد، وذكر صحبتها وقصتها مع النبي ﷺ. وقد قيل: إنها هي أم زُفَر ماشطة خديجة رضي الله عنها، وقد ثبت ذكرها بهذا الوصف في صحيح البخاري وغيره (1).

ومن أعجب ما يُروى في فضلها، ومنه استحقت البشارة بالجنة، قصتها مع النبي ﷺ في صبرها على بلاء الصرع؛ فعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أُريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أُصرَع، وإني أتكشّف، فادعُ الله لي. قال ﷺ: «إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك». قالت: أصبر. قالت: فإني أتكشّف، فادع الله أن لا أتكشّف. فدعا لها (2).

وفي هذا الحديث من الفقه والعبرة ما لا يخفى؛ فقد آثرت رضي الله عنها الباقيةَ على الفانية، واختارت الصبر على بلاء الجسد بدلَ الدعاء بزواله، وأدركت أن البلاء قد يكون طريقا إلى الجنة لمن صبر واحتسب. فاكتفت من النبي ﷺ بأن يدعو لها في ستر عورتها عند الغشيان، فأجاب الله دعاءها. وقد بشّرها بذلك ابن عباس في حياتها، وأخبر أنها من نساء أهل الجنة، فلا أعظم بشارة من رجل بمنزلته يخبر عن رسول الله ﷺ.


الهوامش:

(1) صحيح البخاري (5328). وانظر: الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة، الخطيب البغدادي (ص 11)؛ الاستيعاب، ابن عبد البر (2/129)؛ أسد الغابة، ابن الأثير (1/1438)؛ الإصابة، ابن حجر (8/210، 211).

(2) أخرجه البخاري (3528)، ومسلم (2576)، والترمذي (3578)، والنسائي في السنن الكبرى (7490)، وأحمد في المسند (3240) من طريق عطاء عن ابن عباس. وفي آخره أسند البخاري عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة.