رويات أبناء عليّ بن أبي طالب في موقفهم من عثمان بن عفّان (شهادة محمد بن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب)

من المرويات التي تؤكد إجماع الصحابة – رضوان الله عليهم – على استنكار جريمة قتل عثمان بن عفان، ووجوب المطالبة بدمه، ما روي عن محمد بن الحنفية (محمد بن علي بن أبي طالب) عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من أن علياً كان يلعن قتلة عثمان، ويوافق أم المؤمنين عائشة في ذلك، في مشهد يجمع رمزين كبيرين من رموز الإسلام على نبذ تلك الفعلة الشنيعة.

روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة، والمروزي في الفتن، وسعيد بن منصور في سننه، بإسناد صحيح كما قال محقق الفضائل، عن محمد بن الحنفية قال: بلغ علياً أن عائشة تلعن قتلة عثمان في المِرْبَد، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال: «وأنا ألعن قتلة عثمان لعنهم الله في السهل والجبل»، قال مرتين أو ثلاثاً.

وهذا الخبر يحمل دلالات عظيمة، فهو يُظهر اتفاق أم المؤمنين عائشة وأمير المؤمنين علي على موقف واحد من قتلة عثمان، وهو البراءة منهم والدعاء عليهم باللعنة. وقد كانت عائشة – رضي الله عنها – من أشد المطالبين بدم عثمان، حتى خرجت إلى البصرة تطالب بالقصاص، وكان موقفها معروفاً في التاريخ. وعندما بلغ علياً ذلك، لم يكتفِ بالسكوت أو الموافقة الضمنية، بل أعلن موقفه جهاراً، رافعاً يديه، داعياً على القتلة باللعنة في السهل والجبل، وهي صيغة تعميمية تشمل كل مكان، لتأكيد شدة الغضب الإلهي على من تورط في سفك دم الخليفة المظلوم.

وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة من جهتين:

الأولى: أنها صادرة عن محمد بن الحنفية، وهو ابن علي بن أبي طالب، مما ينفي أي شبهة حول موقف علي من قتلة عثمان. فقد كان البعض يشكك في براءة علي من دم عثمان، لكن هذه الرواية وغيرها من المرويات الصحيحة تثبت أنه كان من أشد الناس تألماً لمقتله، ومن أعلنهم لعناً لقتلته.

الثانية: أنها تجمع بين عائشة وعلي في موقف واحد، على الرغم من الخلاف السياسي الذي حدث بينهما في وقعة الجمل، مما يدل على أن الخلاف كان في وسيلة المطالبة بالقصاص وليس في أصل الحكم بوجوبه. فلقد اتفقا على أن قتلة عثمان مرتكبو جريمة نكراء تستحق اللعنة والعقاب، وإن اختلفا في كيفية تحقيق العدالة.

وقد اختار علي أن تكون لعنته علنية، رافعاً يديه، داعياً على القتلة في كل مكان، ليكون ذلك عبرة لكل من تسول له نفسه التطاول على دماء الصحابة، أو التهاون بحرمات الخلفاء الراشدين. وهذا الموقف يعكس مكانة عثمان عند علي، بل ويعكس أيضاً منهج علي القويم في التعامل مع الفتن، حيث كان حريصاً على إقامة الحق، وإظهار البراءة من الباطل، والجهر بالحقائق دون مواربة.

وتُضاف هذه المروية إلى سلسلة الروايات الصحيحة التي تؤكد إجماع الصحابة على حرمة دم عثمان، ووجوب البراءة من قتلته، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين، مما يقطع الطريق على كل محاولة لتشويه مواقفهم، أو إثارة الشبهات حول عدالتهم. فهي شهادة من أهل البيت أنفسهم على أن عثمان كان مظلوماً، وأن قتلته ملعونون في الأرض والسماء.

المصادر:

  • الإمام أحمد بن حنبل، “فضائل الصحابة”، تحقيق وصي الله عباس، حديث رقم (٧٣٣)، وإسناده صحيح.

  • المروزي، “الفتن”، ج ١، ص ٩٥.

  • سعيد بن منصور، “السنن”، ج ٢، ص ٣٣٦، حديث رقم (٢٩٤٣).

  • ياقوت الحموي، “معجم البلدان”، ج ٥، ص ٩٨ (تعريف المِرْبَد).