روايات آل البيت في فضل عثمان بن عفان وتحذير من التفريط بدمه (شهادة عبد الله بن عبّاس الهاشمي)

عُرفت مرويات أهل البيت – رضي الله عنهم – بكثرة ما احتوته من مناقب للصحابة الكرام، وفي مقدمتهم ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقد تنوعت تلك الروايات بين الثناء الجميل، والمواقف العظيمة التي تعكس مكانته عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، بل وحتى عند من خالفه في الرأي من الصحابة الأجلاء. ومن أبرز تلك المرويات ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة وترجمان القرآن، في شأن المطالبة بدم عثمان.

أخرج الطبراني في معجميه الكبير والأوسط، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، عن زهدم الجرمي قال: خطبنا ابن عباس فقال: «لو أن الناس لم يطلبوا بدم عثمان لرجموا بالحجارة من السماء». وفي رواية ابن أبي شيبة عن أبي المليح عن ابن عباس بلفظ مقارب: «لو أن الناس أجمعوا على قتل عثمان لرجموا بالحجارة كما رجم قوم لوط».

وهذا الموقف الجلل من ابن عباس يُظهر أمرين عظيمين: الأول، عظمة الذنب المترتب على التهاون بدم عثمان، حتى جعل وعيده أشد من عقاب الأرض، فهو عقاب سماوي بالرجم بالحجارة، تشبيهاً بعذاب قوم لوط الذين استحقوا غضب الله لفاحشتهم. والثاني، وجوب المطالبة بدم الخليفة المظلوم، وإلا كان ترك ذلك سبباً في حلول العقاب الإلهي على الأمة جمعاء.

وقد عزى الهيثمي هذه الرواية للطبراني في الكبير والأوسط، ثم قال: رجال الكبير رجال الصحيح، مما يرفع من شأنها صحةً وثبوتاً. وهذه العناية من ابن عباس – مع ما يعرف من قرابته من علي بن أبي طالب وميله إلى بني هاشم – تدل على أن المسألة كانت فوق الانتماءات القبلية، إنها مسألة حق إلهي لا يسقط بالتقادم ولا بالرغبات السياسية. وقد فهم الصحابة ذلك جيداً، فكانت المطالبة بدم عثمان أحد الأسباب الكبرى التي هزت المجتمع الإسلامي في تلك الفترة العصيبة، حتى قامت الفتنة التي لا زال التاريخ يردد أصداءها.

وهذه الرواية – كما يراها الباحثون – ليست مجرد خبر عارض، بل هي نبوءة تحذيرية من ابن العباس لأمته؛ إذ رأى في ترك القصاص خطراً يهدد كيان الأمة، فسارع إلى التذكير بواجب التماس الحق، وإلا كانت العقوبة أعظم من أن يحتملها البشر.

وقد ثبتت هذه الرواية بأسانيد قوية، مما يجعلها شاهداً من شواهد عدالة الصحابة وحرصهم على دماء بعضهم، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».

 

المصادر:

  • الطبراني، “المعجم الكبير”، حديث رقم (١٢٢)، ج ١، ص ٨٤ (في ترجمة عثمان بن عفان من قسم العشرة المبشرين بالجنة).

  • الطبراني، “المعجم الأوسط”، حديث رقم (٣٤٥٣)، ج ٢، ص ٣٧٩.

  • الهيثمي، “مجمع الزوائد ومنبع الفوائد”، ج ٩، ص ٩٧، وقال: رجال الكبير رجال الصحيح.

  • ابن أبي شيبة، “المصنف”، حديث رقم (٣٢٠٣٤)، ج ٦، ص ٣٦٠.