سلسلة الصحابة وآل البيت (3) : مراتب الصحابة رضي الله عنهم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن الصحابة – رضي الله عنهم- يجمعهم وصف الصحبة، لكنهم ليسوا في منزلة واحدة. ومن أصول أهل السنة، كما في «العقيدة الواسطية»، أنهم يقبلون «ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم» (1).
ويشرح الشيخ ابن عثيمين الكلمتين، فالفضيلة عنده «ما يفضل به المرء غيره ويعد منقبة له»، والمراتب هي الدرجات، «لأن الصحابة درجات ومراتب» (2). ويمثل للفضائل بأن أبا بكر رضي الله عنه جاء بماله كله لما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة (3)، وبأنه كان وحده صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وبقوله صلى الله عليه وسلم فيه: «إن من أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر» (4). فالتفاضل بين الصحابة لا يأخذه أهل السنة من الاستحسان ولا من الميل إلى أشخاص، وإنما يأخذونه من النصوص نفسها. ومن أراد أن يرفع أحدا منهم أو يضعه بغير نص فقد خرج عن هذا الميزان.
وأول ما تقوم عليه هذه المراتب السبق. قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10]. ورجح ابن عثيمين، تبعا لشيخ الإسلام، أن المراد بالفتح صلح الحديبية، وكان في ذي القعدة من السنة السادسة (5). واستدل بقول البراء بن عازب رضي الله عنه: «تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية» (6).
ولم يغفل القول الآخر، وهو أن المراد فتح مكة، ونسبه إلى كثير من المفسرين أو أكثرهم (7). وإذا سأل سائل: كيف يعرف من أسلم قبل الفتح ومن أسلم بعده؟ فجوابه عنده أن ذلك يعرف من تاريخ إسلامهم في كتب التراجم، مثل «الإصابة» لابن حجر و«الاستيعاب» لابن عبد البر (8). وفي آخر الآية معنى ينبغي ألا يغيب: قوله {وكلا وعد الله الحسنى}. فالتفضيل فيها تفضيل بين أهل الوعد الحسن كلهم، وليس رفعا لفريق بخفض فريق آخر.
ويقدم أهل السنة المهاجرين على الأنصار. وعلة ذلك عند ابن عثيمين أن المهاجرين «جمعوا بين الهجرة والنصرة، والأنصار أتوا بالنصرة فقط»، فالمهاجرون تركوا أهلهم وأموالهم وأوطانهم وخرجوا إلى أرض هم فيها غرباء (9). ولم يقلل ذلك من شأن الأنصار، فقد قال عنهم إنهم آووا النبي صلى الله عليه وسلم في بلادهم، و«منعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم» (10).
واستدل على تقديم المهاجرين بأن القرآن يقدمهم في الذكر حين يجمع بين الفريقين، كما في قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} [التوبة: 100]، وقوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} [التوبة: 117]، وكما في سورة الحشر التي ذكرت المهاجرين في الآية الثامنة ثم الأنصار في التاسعة (11). فالترتيب في هذه الآيات عنده بيان لمنزلة كل فريق.
ثم يأتي أهل بدر، وهم في «أعلى مراتب الصحابة» (12). كانوا ثلاث مئة وبضعة عشر رجلا، خرجوا في رمضان من السنة الثانية يريدون عير قريش ولا يريدون قتالا، فجمع الله بينهم وبين عدوهم، وسمى يومها يوم الفرقان (13). وقد ثبت في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (14).
واستخرج من الحديث أمرين: الأول أن ما يقع منهم من ذنوب مغفور لهم بسبب تلك الحسنة العظيمة، والثاني أن فيه بشارة بأنهم لن يموتوا على الكفر. ثم قال: «ولم نعلم أن أحدا منهم كفر بعد ذلك» (15).
وقصة حاطب تبين كيف طبق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل، فالذي ارتكب خطأ كبيرا منع عنه النبي صلى الله عليه وسلم العقوبة بسبب سابقته في بدر. فالحكم على الصحابي عند أهل السنة يعتمد على مجموع سيرته، ولا يُعزل فيه خطؤه عن سابقته.
وأما أهل الشجرة فهم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان تحت الشجرة بالحديبية، وكانوا ألفا وأربع مئة (16). وسبب البيعة أن خبرا شاع بأن عثمان رضي الله عنه قتل، وكان رسول النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش، فبايع الصحابة على ألا يفروا. ولما كان عثمان غائبا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على يده الأخرى، وقال عن يمينه: «هذه يد عثمان» (17). وفيهم نزل قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها» (18). ويقول ابن عثيمين إن فضلهم ثبت من طريقين: «فالرضى ثابت بالقرآن، وانتفاء دخول النار ثبت بالسنة» (19).
وفي بقية الحديث عند مسلم أن حفصة رضي الله عنها اعترضت بقوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها}، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} (20). وذكر الشيخ وجهين في الجمع بين الحديث والآية: الأول أن الورود هو المرور على الصراط، والثاني أن الورود دخول، لكنه دخول لا عذاب فيه ولا إهانة (21). وفي هذه البيعة شاهد على مكانة عثمان رضي الله عنه، فقد بايع عنه النبي صلى الله عليه وسلم بيده، وكان من المبايعين أبو بكر وعمر وعلي (22). فالخلفاء الأربعة كلهم داخلون في الرضا الذي نزل فيه القرآن.
والتفضيل بين الصحابة لا يعني أن الأفضل يفضل غيره في كل شيء. وقد نبه الشيخ إلى ذلك فقال: «قد يكون للمفضول فضيلة لم يشاركه فيها أحد»، ثم قال: «فيجب التفريق بين الإطلاق والتقييد» (23). فتقديم السابقين، والمهاجرين، وأهل بدر، وأهل الشجرة ترتيب عام في الفضل، ولا ينقص به أحد من الصحابة حقه، ولا تسقط به فضيلة خاصة ثبتت لأحدهم. وهذا الميزان نفسه يُحتكم إليه في المقالة القادمة، وموضوعها من شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة بأعيانهم.
الهوامش
(1) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/253.
(2) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/253–254.
(3) المصدر السابق، 2/254. والحديث رواه أبو داود (1678)، والترمذي (3675) وقال: «حديث حسن صحيح»، كما في تخريج محقق الشرح.
(4) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/254. والحديث رواه البخاري (3904)، ومسلم (2382)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(5) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/255–256.
(6) رواه البخاري (4150). وانظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/256.
(7) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/256. وأحال محقق الشرح إلى: الدر المنثور، للسيوطي، 6/58.
(8) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/255.
(9) المصدر السابق، 2/256.
(10) المصدر السابق، 2/257.
(11) المصدر السابق، 2/257.
(12) المصدر السابق، 2/257.
(13) المصدر السابق، 2/257–258.
(14) رواه البخاري (3007)، ومسلم (2494)، عن علي رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه. وانظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/289.
(15) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/259–260.
(16) رواه البخاري (4154) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وانظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/260–261.
(17) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/261–262.
(18) رواه مسلم (2496)، عن جابر بن عبد الله عن أم مبشر رضي الله عنهم.
(19) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/263.
(20) رواه مسلم (2496)، في تتمة الحديث السابق.
(21) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/263–264.
(22) المصدر السابق، 2/262–263.
(23) المصدر السابق، 2/273.