سلسلة الصحابة وآل البيت (4): قراءة في بشارات الجنة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
الحمد لله، وبعد:
فإن المسلم مأمور بأن يرجو لأهل الإيمان الخير، وأن يخاف على نفسه وعلى غيره. ولذلك كانت الشهادة بالجنة لشخص بعينه أمرا عظيما، لأنها خبر عن الغيب لا يعلمه إلا الله. ومع ذلك فمن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون بالجنة «لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة» (1). فهم لا يشهدون لأحد بالجنة من عند أنفسهم، ولا يمتنعون عن الشهادة لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يقفون حيث وقف النص.
ولتحرير هذه المسألة يفرق أهل العلم بين نوعين من الشهادة (2):
شهادة معلقة بالوصف: وهي أن يشهد المسلم لكل مؤمن ولكل متق بأنه من أهل الجنة، دون أن يعين أحدا. وهذه شهادة واجبة، لأن الله أخبر بها، فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا} [لقمان: 8–9]، وقال في الجنة: {أعدت للمتقين} [آل عمران: 133].
شهادة معلقة بالشخص: وهي أن يشهد لفلان بعينه أنه في الجنة. وهذه لا تكون إلا لمن ورد فيه خبر صادق من النبي صلى الله عليه وسلم.
فالنوع الأول وعد عام يتعلق بالأوصاف، والنوع الثاني حكم على أشخاص، ولا يثبت إلا بالنص (3).
وأشهر من شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة هم العشرة، وسموا «العشرة المبشرين بالجنة» لأنه جمعهم في حديث واحد، فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (4). وقد جمع بعضهم الستة الذين بعد الخلفاء الأربعة في بيت واحد يسهل حفظه (5):
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة … وعامر فهر والزبير الممدح
وفي هذا الحديث معنى يستحق أن يتأمله من يقرأ تاريخ الفتنة. فالعشرة الذين بشروا بالجنة في نسق واحد فيهم علي بن أبي طالب، وفيهم طلحة والزبير رضي الله عنهم، وهم الذين وقع بينهم القتال يوم الجمل. ومع ذلك جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في بشارة واحدة. ومعنى ذلك أن ما وقع بينهم لا يرفع عن أحد منهم ما ثبت له بالنص، وأن من أراد أن يرفع أحدهم بالطعن في الآخر فقد خالف حديثا صريحا.
ومن هؤلاء أيضا ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم، جهير الصوت. فلما نزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] خاف أن يكون عمله قد حبط، فجلس في بيته. ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إليه من يسأل عنه، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي، حبط عملي، أنا من أهل النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة» (6). وفي القصة درس في حال الصحابة: خوف ثابت هو الذي أوصله إلى هذه البشارة، فكان أشد الناس خوفا على عمله من أحقهم بالطمأنينة عليه.
وقول المصنف «وغيرهم من الصحابة» يدخل فيه كل من ورد فيه نص خاص (7). ومن هؤلاء أمهات المؤمنين، لأنهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ومنهم:
بلال بن رباح: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة، ثم سمعت خشخشة أمامي، فإذا بلال» (8).
عبد الله بن سلام: قال سعد بن أبي وقاص: «ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام» (9).
عكاشة بن محصن: دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (10).
سعد بن معاذ: أهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حلة من حرير، فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها، فقال: «أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين» (11).
وفي هذه الأسماء تنوع لافت. فيها المهاجر القرشي، والأنصاري، والمولى الحبشي، والحبر الذي كان من أهل الكتاب ثم أسلم. وهذا شاهد على أن ميزان التفضيل في الإسلام هو الإيمان والعمل، لا النسب ولا الأصل.
والشهادة بالجنة لهؤلاء لها أثر عملي في قلب المسلم ولسانه. فمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لا يجوز أن يطعن فيه أحد، ولا أن يسيء الظن به. ومن طعن فيه فقد رد خبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يرد على الصحابي نفسه. ولهذا كانت هذه الشهادة من الأصول التي يُحتكم إليها في الحكم على الصحابة. والمقالة القادمة تتناول مسألة قريبة منها: ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل والخلافة، وما نقل عن علي رضي الله عنه في ذلك.
الهوامش
(1) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/265.
(2) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/265.
(3) المصدر السابق، 2/265.
(4) رواه أحمد (1/187، 188، 189)، وأبو داود (4649)، والترمذي (3748)، وابن ماجه (134)، وابن حبان في صحيحه (6996)، والحاكم في المستدرك (3/450)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (875)، بحسب تخريج محقق شرح العقيدة الواسطية، 2/266.
(5) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/266.
(6) رواه البخاري (3613)، ومسلم (119)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وانظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/266–267.
(7) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/267.
(8) رواه مسلم (2457)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(9) رواه البخاري (3812)، ومسلم (2483)، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ووقع في تخريج محقق شرح العقيدة الواسطية (2/267) عزوه إلى البخاري برقم (1982)، والصواب ما أثبته.
(10) رواه البخاري (6541)، ومسلم (220)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(11) رواه البخاري (3802)، ومسلم (2468)، عن البراء بن عازب رضي الله عنه.