سلسلة الصحابة وآل البيت (5): ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل والخلافة، وشهادة علي رضي الله عنه لأبي بكر وعمر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن من أكثر المسائل التي تفرق فيها الناس في شأن الصحابة مسألة التفضيل بين الخلفاء الأربعة، وأكثرها أثرا في المواقف. ويقرر أهل السنة والجماعة فيها ما نص عليه شيخ الإسلام في «الواسطية»: أنهم «يقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» (1). وفي هذه العبارة ما يستوقف القارئ: أهل السنة لا يثبتون تقديم الشيخين بقول خصم لعلي رضي الله عنه، وإنما يثبتونه بقول علي نفسه. والتواتر خبر ينقله جمع لا يمكن أن يتفقوا على الكذب، فيفيد العلم اليقيني (2).
وأصرح ما ورد في ذلك ما رواه البخاري عن محمد بن الحنفية قال: «قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين» (3). السائل هنا ابن علي، والمجيب علي نفسه، والكلام في داخل بيته، وليس فيه منبر ولا خصومة تدعو إلى المجاملة. ثم إن الجواب جاء متواضعا في آخره: «ما أنا إلا رجل من المسلمين»، وهذا يكشف عن نفس لا تطلب لنفسها منزلة فوق من سبقها. ولذلك قيل: إذا كان علي رضي الله عنه يقول، وهو خليفة، إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فقد سقطت حجة من فضله عليهما (4). فأصح ما يرد به على هذا الغلو في علي رضي الله عنه هو كلام علي رضي الله عنه.
ولم يكن هذا الترتيب رأيا انفرد به علي، بل كان هو المعروف بين الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم» (5). ونقل عن الإمام مالك أنه قال: ما رأيت أحدا يشك في تقديمهما، وعن الشافعي أنه قال: لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر (6). فتقديم الشيخين أمر أجمعت عليه الأمة، وليس ترجيحا من فقيه أو مذهب.
ثم يجعل أهل السنة عثمان ثالثا وعليا رابعا (7). ودليلهم على ذلك أمران: الآثار التي سبق ذكر بعضها، وإجماع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة. فالصحابة الذين عرفوا عثمان وعليا عن قرب، ولازموهما سنين، اختاروا عثمان للخلافة بعد عمر، واختيارهم هذا يدل على منزلته عندهم (8).
ومع ذلك فقد اختلف بعض أهل السنة الأوائل في المفاضلة بين عثمان وعلي بعد أن اتفقوا على تقديم الشيخين، فكانت أقوالهم أربعة (9):
أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهو القول المشهور.
أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم السكوت.
أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، ثم عثمان.
أبو بكر، ثم عمر، ثم التوقف في المفاضلة بين عثمان وعلي.
ثم استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، على ترتيبهم في الخلافة (10).
والمهم في هذه المسألة التفريق بين أمرين يخلط بينهما كثير من الناس. فالأول مسألة التفضيل بين عثمان وعلي، وهذه ليست من الأصول التي يضلل فيها المخالف عند جمهور أهل السنة، فمن قال إن عليا أفضل من عثمان لم يُحكم عليه بالضلال، وإنما يقال إن قوله رأي من آراء أهل السنة (11). والثاني مسألة الخلافة، وهذه يضلل فيها المخالف، لأن أهل السنة يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. فمن قال إن الخلافة لعلي دون الثلاثة، أو قال إنها كانت له بعد أبي بكر وعمر، فقد خالف إجماع الصحابة (12). وقد نقل شيخ الإسلام في هذا عبارة الإمام أحمد: «ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (13). ويظهر من هذا التفريق أن أهل السنة يفرقون بين مسألة يسع فيها الاجتهاد، ومسألة تقوم على إجماع الصحابة ولا تحتمل الخلاف.
والسبب في الشدة في مسألة الخلافة أن الطعن فيها ليس طعنا في شخص واحد. هو طعن في الصحابة كلهم، لأنهم اختاروا هؤلاء الخلفاء وبايعوهم. ومن زعم أن الخلافة اغتصبت من علي رضي الله عنه فقد اتهم أبا بكر وعمر وعثمان والصحابة جميعا بالظلم (14). ثم إن هذا الزعم يلزم منه أن عليا نفسه سكت عن الظلم، وبايع عليه، وأثنى على من ظلمه بزعمهم. وهذا لا يليق بعلي رضي الله عنه، ولا يتفق مع شجاعته وصدقه المعروفين.
وليس معنى هذا الترتيب أن الأفضل يفضل غيره في كل شيء. فقد يكون للمفضول فضيلة خاصة لم يشاركه فيها أحد، ولذلك يفرق أهل العلم بين الأفضلية المطلقة والأفضلية المقيدة (15). ولعلي رضي الله عنه من الفضائل والخصائص ما لم يشاركه فيه غيره، وأولها قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا الترتيب لا ينقص عليا حقه، وإنما يضع كل واحد من الخلفاء في منزلته التي وضعه فيها الصحابة. وقرابة النبي صلى الله عليه وسلم التي اختص بها علي هي موضوع المقالة القادمة: محبة آل البيت وموالاتهم في منهج أهل السنة.
الهوامش
(1) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/268.
(2) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/268.
(3) رواه البخاري (3671).
(4) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/268.
(5) رواه البخاري (3655).
(6) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/268–269. ونقل الشارح قولي مالك والشافعي دون أن يعزوهما إلى مصدر.
(7) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/269.
(8) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/269.
(9) المصدر السابق، 2/270–271.
(10) المصدر السابق، 2/271.
(11) المصدر السابق، 2/271.
(12) المصدر السابق، 2/271–272.
(13) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/272. وذكر الشارح أن هذه العبارة للإمام أحمد.
(14) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/272.
(15) المصدر السابق، 2/273.