سلسلة الصحابة وآل البيت (6): محبة آل البيت وموالاتهم: وصية غدير خم وحديث الاصطفاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإنّ محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أصل ثابت في عقيدة أهل السنة، وقد ذكرها شيخ الإسلام في «الواسطية» بقوله: «ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1). ولهذه المحبة سببان: إيمانهم بالله، وقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). فهم يحبون كما يحب سائر المؤمنين لإيمانهم، ثم يزيدون عليهم بمحبة ثانية سببها القرابة، ولا يشاركهم فيها غيرهم. وأهل السنة لا يقبلون قول من يزعم أن من أحب أبا بكر وعمر فقد أبغض عليا، كأن الشيخين كانا عدوين لعلي. وكيف يصح هذا وقد تواتر عن علي رضي الله عنه أنه كان يثني عليهما على المنبر (3)؟ فمحبة آل البيت عند أهل السنة لا تحتاج إلى بغض أحد من الصحابة، ولا تستقيم مع هذا البغض.
وأهل البيت يدخل فيهم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بنص القرآن. ففي سورة الأحزاب خاطب الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن}، ثم قال في السياق نفسه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 32–33]. فالآية جاءت في خطاب الأزواج، ودخولهن فيها لا شك فيه. ويدخل في أهل البيت كذلك قرابته: فاطمة وعلي والحسن والحسين، والعباس بن عبد المطلب وأبناؤه، وغيرهم (4). وبهذا يلتقي في أهل البيت الأزواج والقرابة، وتجتمع في محبتهم محبة أمهات المؤمنين ومحبة العترة، فلا يصح أن يحب المسلم فريقا منهم ويبغض الآخر.
وهذه المحبة مقيدة بالإيمان، فليست محبة لمجرد النسب. فمن كفر من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم لم تجب محبته، كأبي لهب عمه الذي آذاه وعاداه. وأما أبو طالب فيحفظ له أهل السنة ما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم من الحماية والدفاع عنه، ويحبون هذا الفعل منه، مع أنه لم يسلم (5). فالقرابة عند أهل السنة تزيد في حق المؤمن، لكنها لا تقوم مقام الإيمان. وبهذا يوافق ميزانهم قول الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13].
ومعنى أنهم «يتولونهم» أنهم يجعلونهم من أوليائهم، فينصرونهم ويحبونهم ويكونون لهم أصدقاء (6). ويحفظون فيهم وصية النبي صلى الله عليه وسلم التي قالها في خطبته بغدير خم، وهو موضع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة، نزله النبي صلى الله عليه وسلم في رجوعه من حجة الوداع (7). روى مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (8). ومعنى قوله «أذكركم الله» أن يتذكر المسلم عقوبة الله إن ضيع حق آل البيت، ورحمته وثوابه إن قام به (9). وتكرار العبارة ثلاث مرات يدل على أن الوصية بهم مؤكدة، وهي وصية بالعناية والرعاية، وليست دعوة إلى رفعهم فوق منزلتهم.
وأورد شيخ الإسلام أيضا أن العباس رضي الله عنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (10). وقوله «لله» محبة يشترك فيها المؤمنون كلهم، أما قوله «ولقرابتي» فمحبة زائدة يختص بها آل البيت (11). وتدل الشكوى نفسها على أن الجفاء لآل البيت ظهر منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن سببه الحسد على ما أعطاهم الله من شرف القرابة (12). ويظهر من ذلك أن للانحراف في هذا الباب صورتين: غلو يرفع آل البيت فوق منزلتهم، وجفاء يمنعهم حقهم. ومنهج أهل السنة يرفض الصورتين معا.
ولآل البيت أصل ثابت في الاصطفاء. روى مسلم عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (13). والحديث صريح في أن بني هاشم مختارون عند الله، وأن لنسبهم شرفا ثابتا بالنص (14). فأهل السنة يعترفون بهذا الشرف ويعطون أهله حقهم، لكنهم يجعلونه في منزلته الصحيحة: هو شرف لمن حفظه بالإيمان والتقوى، وليس بابا إلى العصمة، ولا إلى صفات الربوبية.
وهذا هو الضابط الذي تجمع فيه كل ما سبق. أهل السنة يحبون آل البيت ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم لا ينزلونهم فوق منزلتهم، ويتبرؤون ممن غلا فيهم حتى أوصلهم إلى حد الألوهية، كما فعل عبد الله بن سبأ حين قال لعلي رضي الله عنه: أنت الله (15). ويتبرؤون كذلك من طريقة النواصب الذين يؤذون آل البيت بقول أو عمل (16). فالمحبة عندهم محبة عدل: لا غلو فيها يخرج آل البيت عن حد البشر، ولا جفاء يسقط حقهم. والمقالة القادمة تكمل الحديث عن أهل البيت بالكلام عن أمهات المؤمنين، ومنزلة خديجة وعائشة رضي الله عنهما.
الهوامش
(1) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/273، و2/275.
(2) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/273.
(3) المصدر السابق، 2/273.
(4) المصدر السابق، 2/274.
(5) المصدر السابق، 2/274–275.
(6) المصدر السابق، 2/275.
(7) المصدر السابق، 2/275.
(8) رواه مسلم (2408)، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.
(9) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/275.
(10) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/275–276. والحديث رواه أحمد في «المسند» (1/207) وفي «فضائل الصحابة» (1757) بلفظ: «والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي»، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. ورواه أحمد في «فضائل الصحابة» (1756) بلفظ: «لن ينالوا خيرا حتى يحبوكم لله ولقرابتي»، وإسناده ضعيف لإرساله، كما في تخريج محقق الشرح، 2/276.
(11) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/276.
(12) المصدر السابق، 2/276–277.
(13) رواه مسلم (2276)، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه. ولفظ «الواسطية»: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة…».
(14) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/277.
(15) المصدر السابق، 2/277.
(16) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/284.