سلسلة الصحابة وآل البيت (7): أمهات المؤمنين رضي الله عنهن في عقيدة أهل السنة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد قال الله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6]. فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين في الإكرام والاحترام والصلة. ومعنى أن أهل السنة يتولونهن أنهم ينصرونهن، ويدافعون عنهن، ويعتقدون أنهن أفضل نساء أهل الأرض لأنهن زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). وهذه الأمومة نسبة شرعية أثبتها القرآن نفسه. ولذلك فمن أساء إلى أمهات المؤمنين فقد أساء إلى صلة جعلها الله بينه وبين أمه، ولا يقف أثر إساءته عند امرأة من التاريخ.
ويؤمن أهل السنة بأن أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة أيضا. ويستدلون على ذلك بما ورد من الأحاديث، وبدعاء حملة العرش للمؤمنين: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} [غافر: 8]، فالآية تثبت أن الزوجية تبقى في الجنة (2). وأقوى شاهد على ذلك من داخل البيت العلوي ما رواه البخاري عن أبي وائل، قال: لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفر أهلها، خطب عمار فقال: «إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها» (3). كان عمار يومئذ في صف علي رضي الله عنه، وكان معه الحسن بن علي، ومع ذلك شهد لعائشة رضي الله عنها بأنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة. ويدل هذا على أن الخلاف الذي وقع بين الصحابة لم يُسقط عندهم حرمة أم المؤمنين.
وأول أمهات المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج غيرها، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وكانت امرأة عاقلة انتفع النبي صلى الله عليه وسلم برأيها كثيرا (4). وهي أم أكثر أولاده، فقد ولدت له القاسم وعبد الله، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ولم يكن له ولد من غيرها إلا إبراهيم، فأمه مارية (5). وهي أول من آمن به. فحين رجع من غار حراء خائفا قالت له: «كلا، والله لا يخزيك الله أبدا»، ثم ذهبت به إلى ورقة بن نوفل (6). وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها بعد موتها، ويرسل الهدية إلى صديقاتها، ويقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» (7). ويحسن أن يتذكر القارئ هنا أن خديجة أم فاطمة الزهراء، وجدة الحسن والحسين. فهي أم المؤمنين، وهي أصل البيت العلوي. ومحبتها تجمع محبة الصحابة ومحبة آل البيت، فلا يمكن الفصل بين المحبتين.
ثم عائشة رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق. وسميت صديقة لكمال تصديقها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولصدقها في معاملته، ولصبرها على ما أصابها من الأذى في حادثة الإفك (8). ولما نزلت براءتها من السماء قالت: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله» (9). فلم تنسب البراءة إلى أحد غير الله، وفي ذلك دليل على قوة توحيدها وثبات قلبها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (10). والظاهر من الحديث أنه يعم النساء كلهن، لكن فاطمة رضي الله عنها أشرف من عائشة نسبا، لأنها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم (11).
واختلف أهل العلم في المفاضلة بين خديجة وعائشة. فقدم بعضهم خديجة لما اختصت به من المزايا، وقدم بعضهم عائشة لهذا الحديث ولما اختصت به هي (12). والقول الذي يجمع بين القولين أن لكل واحدة منهما فضلا لم تلحقها فيه الأخرى. ففي أول الرسالة كان لخديجة من الإيمان والنصرة والمواساة ما لا تساويها فيه عائشة. وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان لعائشة من نشر العلم والسنة وهداية الأمة ما لم يكن لخديجة. فلا تفضل إحداهما على الأخرى تفضيلا مطلقا، وإنما يقال: هذه أفضل من وجه، وتلك أفضل من وجه آخر (13). وبهذا التفصيل لا يضيع فضل إحداهما بسبب فضل الأخرى. وقد كانتا معا عونا للنبي صلى الله عليه وسلم: خديجة في أول الدعوة حين قل أنصاره، وعائشة بعد وفاته حين احتاجت الأمة إلى من يبلغها سنته.
الهوامش
(1) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/278.
(2) المصدر السابق، 2/278.
(3) رواه البخاري (3772)، و(7100) بنحوه، عن أبي وائل.
(4) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/279.
(5) المصدر السابق، 2/279.
(6) رواه البخاري (3)، ومسلم (160)، عن عائشة رضي الله عنها.
(7) رواه البخاري (3818)، عن عائشة رضي الله عنها.
(8) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/280.
(9) رواه البخاري (2661)، ومسلم (2770)، في حديث الإفك الطويل، عن عائشة رضي الله عنها.
(10) رواه البخاري (3769)، ومسلم (2431)، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وأما زيادة «وخديجة بنت خويلد» فقد عزاها ابن حجر في «فتح الباري» (6/447) إلى الطبراني وأبي نعيم في «الحلية»، بحسب نقل محقق شرح العقيدة الواسطية، 2/281.
(11) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/281.
(12) المصدر السابق، 2/281–282.
(13) المصدر السابق، 2/282.