المأخذ الأول على عثمان بن عفان رضي الله عنه: دعوى تولية الأقارب والردّ العلمي عليها

يُعدّ أول ما يُثار من شبهات حول خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه دعوى أنه ولّى أقاربه، وأن ذلك كان محاباةً عائليةً لا تقوم على الكفاءة، فجُعل هذا الأمر مطعنًا في عدله وسياسته، وهي شبهة قديمة أعيد إنتاجها عبر التاريخ، وتناقلها أهل الأهواء والفتن دون تحقيق علمي ولا قراءة منصفة للوقائع التاريخية.

وحقيقة الأمر أن من أقارب عثمان الذين ولاهم رضي الله عنه خمسة فقط، وهم: معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر بن كريز. وهؤلاء هم مجموع من يُذكرون في هذا الباب، ويُجعل ذلك مطعنًا على عثمان في زعم خصومه. غير أن النظرة العلمية الشاملة لسائر ولاته رضي الله عنه تُسقط هذه الشبهة من أصلها، إذ إن ولاته كانوا عشرات من كبار الصحابة والقادة والتابعين، ممن لا صلة نسب بينهم وبينه، مثل: أبي موسى الأشعري، والقعقاع بن عمرو، وجابر المزني، وحبيب بن مسلمة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، وحكيم بن سلامة، والأشعث بن قيس، وجرير بن عبد الله البجلي، وعتيبة بن النهاس، ومالك بن حبيب، والنسير العجلي، والسائب بن الأقرع، وسعيد بن قيس، وسلمان بن ربيعة، وخنيس بن خبيش، وغيرهم كثير. وبنظرة مجردة إلى الأسماء يتبين أن عدد الولاة من أقارب عثمان أقل بكثير من غيرهم، مما يسقط دعوى “التغليب العائلي” من حيث الواقع العددي أصلًا.

ثم إن هذه الدعوى تُبطلها السنة النبوية نفسها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد استعمل من بني أمية عددًا كبيرًا من الولاة والعمال، أكثر من أي قبيلة قرشية أخرى، لا محاباة، بل لما كان فيهم من الكفاءة والسؤدد والخبرة بالسياسة والإدارة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من بني أمية؛ لأنهم كانوا كثيرين، وفيهم شرف وسؤدد»(1). وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم من بني أمية: عتاب بن أسيد، وأبا سفيان بن حرب، وخالد بن سعيد، وعثمان بن سعيد، وأبان بن سعيد، وهم خمسة، وهو نفس عدد من ولاهم عثمان من أقاربه، مما يدل على أن الأصل في ذلك هو الكفاءة لا القرابة.

وفوق ذلك، فإن هؤلاء الخمسة لم يجتمعوا في الولاية في وقت واحد، بل وُلِّي بعضهم ثم عُزل، كما وقع في الكوفة؛ إذ ولّى عثمان الوليد بن عقبة ثم عزله، وولّى مكانه سعيد بن العاص ثم عزله أيضًا(1)، حتى إنه عند وفاة عثمان رضي الله عنه لم يكن من بني أمية في الولاية إلا ثلاثة فقط: معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وعبد الله بن عامر بن كريز(2)، لا خمسة كما يروّج أهل الشبهات.

ثم إن من المهم إدراك طبيعة بعض الأمصار التي عُزل منها الولاة، وعلى رأسها الكوفة، وهي المدينة التي عُزل منها في عهد عمر سعد بن أبي وقاص وابن مسعود رضي الله عنهما، وعزل منها عثمان أبو موسى الأشعري والوليد وغيرهما، وهي المدينة التي دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أهلها، والتي غدر أهلها بالحسن بن علي، ونقضوا العهد مع مسلم بن عقيل، ثم انتهى أمرهم بقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما. فهي مدينة اشتهرت تاريخيًا بعدم الاستقرار السياسي، وعدم الرضا بالولاة، مهما كانت عدالتهم أو كفاءتهم، فكان العزل فيها غالبًا مرتبطًا بطبيعة المجتمع لا بعدالة الوالي ولا بفساده. ومن ثم فإن عزل عثمان لبعض الولاة لا يُعدّ طعنًا فيهم، بل هو شاهد على عدل عثمان نفسه، وأنه لم يكن يحابي أحدًا بقرابة إذا اقتضت المصلحة عزله.

ويُضاف إلى ذلك أصلٌ منهجي مهم، وهو أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه ولّى أقاربه، ولم يُنكر عليه أحد من أهل السنة، فقد ولى أبناء العباس: عبد الله، وعبيد الله، وقثم، وتمام، وولى ربيبه محمد بن أبي بكر، وولى عبد الرحمن بن هبيرة ابن أخته أم هانئ(1)، ولم يجعل أهل السنة هذا مطعنًا عليه، لأن القرابة ليست مانعًا شرعيًا من الولاية إذا اجتمعت معها الكفاءة والأمانة. وعليه، فإن من جعل تولية عثمان لأقاربه مطعنًا عليه، يلزمه بالمنطق نفسه أن يجعل تولية علي لأقاربه مطعنًا عليه، وهو باطل بإجماع أهل السنة.

ومن هنا فإن من يطعن في عثمان رضي الله عنه بهذه الشبهة لا يخرج عن حالتين: إما أن يكون شيعيًا، فيُقال له: علي رضي الله عنه ولى أقاربه أيضًا، فإما أن يكون ذلك مطعنًا على الاثنين معًا – وهو باطل – وإما أن لا يكون مطعنًا على علي، فلا يكون مطعنًا على عثمان، بل إن من ولاهم عثمان في الجملة كانوا أكفأ وأقوى في الإدارة والقيادة ممن ولاهم علي، باستثناء عبد الله بن عباس رضي الله عنه. وإما أن يكون الطاعن سنيًا، فيُقال له: أنت بين أمرين؛ إما أن تزعم أن عثمان ولاهم محاباة وهم غير أهل للولاية، وهذا طعن في عدالته ودينه وخيانته للأمانة، وهو باطل شرعًا وعقلًا وتاريخًا، وإما أن تقول: إن عثمان ولاهم لاجتهاده في كفاءتهم وصلاحيتهم للولاية، وهذا هو المتعين، والأصل في الصحابة، فكيف بعثمان، إحسان الظن، لا إساءة الظن.

وبهذا يتبين أن دعوى “تولية الأقارب” ليست مطعنًا علميًا، ولا شبهة منهجية، بل هي دعوى دعائية صيغت في سياق الفتن السياسية، ثم توارثها أهل الأهواء دون تحقيق، بينما التاريخ الصحيح، والنقل الثابت، والمنهج الشرعي، والواقع العملي، كلها تشهد بعدل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتجرده، وحسن إدارته، وبعد نظره في اختيار ولاته، وأنه لم يكن يحكم بعصبية، ولا بولاء عائلي، وإنما بالكفاءة والمصلحة العامة، رضي الله عنه وأرضاه.

الهوامش:

(1) « منهاج السنة » لابن تيمية (6/192).
(2) « تاريخ الطبري » (3/445).
(3) « تاريخ الطبري » (3/445).
(4) « تاريخ خليفة بن الخياط » (ص 200–201).