مكانة آل البيت في الإسلام: تقدير السلف لآل البيت ومحبتهم
لآل البيت وقرابة النبي ﷺ في نفوس أهل الإسلام مكانة سامية، ومنزلة عالية، يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل. فإن من تعظيم النبي ﷺ تعظيمَ من ينتسب إليه نسبا أو قُربى، ومن محبته محبةَ من خلَّف من أهل بيته الطيبين. وقد تواترت في ذلك أخبار السلف، ووصايا الأئمة، ما يُجلّي هذه المنزلة، ويبيّن أن بغض آل البيت أو الانتقاص منهم خروج عن جادّة الإسلام وأصوله.
ومن أعظم ما رُوي في ذلك ما خلّفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من وصايا تدلّ على مكانة آل البيت عنده وعند الصحابة جميعا. أخرج البخاري في صحيحه أنه قال: “ارقبوا محمدا في أهل بيته” (1). وأخرج كذلك عنه أنه قال: “والذي نفسي بيده، لقرابةُ رسول الله ﷺ أحبّ إليّ من أن أصل قرابتي” (2). فهذا الصدّيق رضي الله عنه، أوّل الناس إيمانا، وأقربهم إلى النبي ﷺ صحبة، يجعل قرابةَ النبي ﷺ أحبّ إلى نفسه من قرابته الخاصة، ويوصي الأمة بحفظ هذه القرابة من بعده.
ومن صور الإجلال البالغ ما جرى بين الصحابي الجليل زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم؛ فقد ركب زيد يوما، فأخذ ابن عباس بركابه إكراما له، فقال زيد: “تنحَّ يا ابن عمّ رسول الله ﷺ”. فقال ابن عباس: “هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا”. فأخرج زيد يده فقبّلها ابن عباس، فقال زيد: “هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ” (3). فانظر إلى هذا التعاطي البديع بين صحابيَّيْن جليلَيْن، كل واحد منهما يحفظ للآخر حقّه؛ هذا يُجلّ العالم، وذاك يُجلّ أهل بيت النبوة، وكلاهما يستند إلى أمر شرعي رفيع.
وقد امتدّت هذه المحبة وهذا الإجلال إلى أئمة السلف من بعد عصر الصحابة. فقد رُوي أن الإمام مالك بن أنس لما ضُرب من قِبَل المنصور، أشهد من حضره أنه جعل ضاربه في حلّ، وعلّل ذلك بقوله: “تخوّفتُ أن أموت أمس، فألقى النبي ﷺ، فأستحيي من أن يدخل بعض آله النار بسببي” (4). فها هو إمام دار الهجرة، على ما ناله من ظلم وأذى، يخشى من أن يكون السبب ـ ولو بعيدا ـ في أن يدخل أحد من آل النبي ﷺ النار، فيؤثر العفو على القصاص.
ومن أعجب القصص في ذلك ما يُذكر من حضور هارون الرشيد قبرَ النبي ﷺ ومعه الإمام موسى بن جعفر بن محمد، فجاء هارون متفاخرا على الناس بقربه من النبي ﷺ، فقال: “السلام عليك يا ابن عمّ”، يشير إلى انتسابه إلى العباس بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ. فلما تقدّم موسى بن جعفر إلى القبر قال: “السلام عليك يا أبت”، يعني انتسابه إلى علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ. فالتفت هارون إليه وقال: “هذا والله الفخر يا أبا الحسن حقّا” (5).
ولو ذهبنا نتتبع أخبار السلف في إجلال آل البيت وإكبارهم لطال بنا المقام، وإنما المقصود الإشارة إلى أن دعوى الخصومة بين الصحابة وقرابة النبي ﷺ دعوى مفتعلة، تكذّبها الأصول الشرعية والوقائع التاريخية. إذ لا يُتصوّر فيمن رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبسيد الخلق محمد ﷺ نبيا ورسولا، أن ينعقد قلبه على بغض قرابة نبيه ﷺ وأهل بيته الطيبين الطاهرين. ومن كان هذا حاله فلا حظّ له في الإسلام. كما أن المتأمل بعين البصيرة في تاريخ الإسلام يلمس بجلاء مقدار محبة المسلمين الصادقة، سلفا وخلفا، لآل بيت النبي ﷺ.
وأيّا ما كان الراجح من الأقوال المحكية في تحديد المراد بأهل البيت، فإنها تجتمع كلها على أن أهل البيت وآل المصطفى ﷺ هم في مقدمة الصحابة وأولهم. ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء، والإمامين الشهيدين الحسن والحسين، هم أفضل أهل البيت، وأولاهم بالدخول في هذا الوصف، بل هم القَدْر المشترك بين تلك الأقوال جميعا، والقَدْر المشترك بين سائر الطوائف الإسلامية في تعظيمهم وإجلالهم. فرضي الله عنهم خاصّة، وعن سائر الصحب والقرابة.
الهوامش:
(1) صحيح البخاري (3509).
(2) صحيح البخاري (3508).
(3) أخرج الفقرة الأولى منه: الحاكم في المستدرك (3/478). وأخرجه بكامله من طرق أخرى الدينوري في المجالسة (4/146).
(4) ترتيب المدارك، القاضي عياض (1/75).
(5) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (13/31).