ثناء الإمام محمد الباقر على أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه

من أعلام آل البيت الذين بقي ذكرهم نورا في الأمة: الإمام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، المعروف بالباقر، رابعُ أئمة أهل البيت عند الإمامية، وأحد سادات التابعين علما وفقها وورعا. وقد جاءت عنه روايات صحيحة في تعظيم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والثناء عليهما، حتى لا يبقى لمدّعٍ متعلَّق فيما يُنسب إلى آل البيت من بغض الشيخين أو الانتقاص منهما.

روى ابن سعد في طبقاته عن بسّام الصيرفي قال: سألتُ أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: “والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركتُ أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما” (1). فهذا تقرير صريح من الإمام الباقر بأن ولاء الشيخين هو منهج آل البيت الذي توارثوه جيلا بعد جيل، وأنه لم يدرك من أهله أحدا على خلاف ذلك.

ومن قوله رضي الله عنه: “أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول” (2). فجعل هذا إجماعا منهم لا يُختلف فيه، يدلّ على رسوخ هذه المحبة في أعماق آل البيت.

ومما يدلّ على شدّة تعظيمه للصدّيق ما رواه عروة بن عبد الله قال: سألتُ أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه. فقلتُ له: وتقول الصدّيق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة ثم قال: “نعم، الصدّيق، فمن لم يقل: الصدّيق، فلا صدّق الله قولا في الدنيا والآخرة” (3). فانظر إلى هذا الاندفاع البالغ من الإمام، وكيف وثب من مجلسه، واستقبل القبلة، تعظيما لهذا اللقب الذي خصّ الله به الصدّيق رضي الله عنه، وتشديدا على أن من نازع في ذلك فقد عرّض إيمانه للخطر.

ومن أعجب ما يَرويه الإمام الباقر في هذا الباب، ما يكشف عن دقّة فقه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكراهيته لمخالفة الشيخين في سيرتهما. فقد روى ابن شَبَّة في تاريخ المدينة عن محمد بن إسحاق قال: سألتُ أبا جعفر محمد بن علي ـ يعني الباقر ـ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين ولي العراقين وما ولي من أمر الناس: كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سَلَكَ به طريق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قلت: وكيف، ولم، وأنتم تقولون؟ قال: “أمَا والله، ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه”. قلت: فما منعه؟ قال: “كان والله يكره أن يُدَّعى عليه خلافُ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما” (4).

ففي هذا الخبر دلالة عظيمة على أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه ـ مع كونه مرجع آل البيت يومئذ في الفقه والاجتهاد ـ كان يكره أن يُتَّخذ من اختلافه عن الشيخين في فرع من الفروع ذريعةً للتشغيب على سيرتهما، فأمضى ما أمضياه في سهم ذوي القربى، صَوْنا لجادّة الأمة، وحفاظا على وحدتها. وفي هذا أعظم درس لمن ادّعى بغض الشيخين باسم نُصرة آل البيت، إذ يأتيه عليّ نفسه شاهدا عليه بفعله، ويأتيه الباقر مفسِّرا لذلك الفعل بأنه كراهيةُ مخالفة الشيخين.


الهوامش:

(1) الطبقات الكبرى، ابن سعد (5/321).

(2) سير أعلام النبلاء، الذهبي (4/406).

(3) سير أعلام النبلاء، الذهبي (4/408).

(4) تاريخ المدينة، ابن شبّة (1/217).