سلسلة الصحابة وآل البيت (2): سلامة القلوب والألسنة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية موقف أهل السنة من الصحابة، فجعل أوله «سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1)، وكان السؤال: لماذا ذكر القلوب والألسنة ولم يذكر الأفعال؟ وأجيب بأن الأفعال لا تبلغ الصحابة بعد موتهم، وأن الذي يبقى نحوهم «هو ما يكون في القلب وما ينطق به اللسان» (2). فالمسلم اليوم لا يستطيع أن ينفع الصحابة أو يضرهم بيده، لكنه يُسأل عما في قلبه لهم وعما يقوله فيهم. ولذلك فسر ابن عثيمين هذه السلامة بأنها سلامة القلب «من البغض والغل والحقد والكراهة»، وسلامة اللسان «من كل قول لا يليق بهم»، ثم قال إن القلب إذا خلا من ذلك امتلأ «بالحب والتقدير والتعظيم»، وإن اللسان إذا سلم من السب واللعن امتلأ «من الثناء عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار» (3). فليست السلامة المطلوبة سكوتا محايدا، وإنما هي تخلية القلب واللسان من السوء ثم ملؤهما بالمحبة والثناء.

ودليل هذا الأصل من القرآن آية الحشر. فقد أثنى الله في سورة الحشر على المهاجرين بقوله: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} [الحشر: 8]، ثم أثنى على الأنصار بمحبتهم لمن هاجر إليهم وإيثارهم على أنفسهم، ثم ذكر من يأتي بعدهم: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر: 10]. واستخرج ابن عثيمين من آية المهاجرين ثلاثة أوصاف: إخلاص النية في قوله {يبتغون فضلا من الله ورضوانا}، وصدق العمل في قوله {وينصرون الله ورسوله}، والصدق الذي نفى عنهم الرياء في قوله {أولئك هم الصادقون} (4). ثم قرر أن من طعن في الصحابة ولم يعرف لهم حقهم «فليس من هؤلاء الذين قال الله عنهم: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا}» (5). ولاحظ أن الدعاء في آخر الآية جاء بلفظ {للذين آمنوا}، ولم يأت بلفظ «للذين سبقونا بالإيمان»، «ليشمل هؤلاء السابقين وغيرهم إلى يوم القيامة» (6).

وقد فهمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الآية بهذا المعنى. روى مسلم عن عروة قال: قالت لي عائشة: «يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم» (7). فهي تستحضر الأمر الذي في الآية، وتنكر أن يقابله بعض الناس بعكسه. والآية نفسها ترسم طريق الأجيال اللاحقة: الأخوة في الإيمان، والاستغفار لمن سبق، وسؤال الله أن يطهر القلب من الغل. وكل ذلك ينقضه السب نقضا صريحا.

ودليل هذا الأصل من السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (8). وسبب ورود الحديث يزيد دلالته قوة، فقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد (9). ويبني ابن عثيمين على ذلك أن خالدا وهو صحابي نهي عن سب من سبقه إلى الإسلام، «وإذا كان هذا بالنسبة لخالد بن الوليد وأمثاله فما بالك بالنسبة لمن بعدهم» (10). ثم يقف عند المقارنة التي في الحديث، فيقول إن الإنفاق واحد، والمنفق واحد، والمنفق عليه واحد، ومع ذلك لا يبلغ جبل من الذهب مدا أنفقه أحدهم أو نصف مد، لأن للصحابة «من الفضائل والمناقب والإخلاص والاتباع ما ليس لغيرهم» (11). فالحديث يوضح أن الفرق بين الصحابة ومن بعدهم ليس في مقدار العمل، وإنما في قيمته عند الله، وأن تلك القيمة بلغت عندهم حدا لا يقاس بما بعده.

والنهي في الحديث يقتضي التحريم عند ابن عثيمين، ويفصل فيه: فمن سب الصحابة على العموم فهو عنده كافر، ومن سب واحدا منهم بعينه نُظر في سبب سبه، لأن السب قد يكون لأمر خَلقي أو خُلقي أو ديني، «ولكل واحد من ذلك حكمه» (12). وهذا التفصيل يدل على أن الحكم في الباب مبني على نظر علمي دقيق، وليس اندفاعا عاطفيا يسوي بين الأحوال كلها.

ويبين الشيخ لماذا كان هذا الأصل بهذه المنزلة، فيذكر أن الطعن في الصحابة لا يقف عندهم. هو قدح في النبي صلى الله عليه وسلم الذي اختارهم أصحابا وأمناء، وقدح في الشريعة لأنهم هم الذين نقلوها، «فإذا سقطت عدالتهم لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة»، وقدح في حكمة الله الذي اختارهم لصحبة نبيه (13). وبهذا يظهر أن سلامة القلوب والألسنة للصحابة ليست مجاملة لجيل مضى. إنها صيانة للطريق الذي وصل منه الدين كله إلى من بعدهم. وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (14).


الهوامش

(1) العقيدة الواسطية، بواسطة: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/247.

(2) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/247.

(3) المصدر السابق، 2/247–248.

(4) المصدر السابق، 2/249–250.

(5) المصدر السابق، 2/250.

(6) المصدر السابق، 2/251.

(7) رواه مسلم (3022)، كتاب التفسير، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها. وأما الأثر الذي ذكره ابن عثيمين عن عائشة: «انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر»، فلم أعتمده في المتن، لأن محقق الشرح ذكر أن ابن الأثير أورده في «جامع الأصول» (8/554) وعزاه لرزين، ولم يذكر له إسنادا. انظر: شرح العقيدة الواسطية، 2/250–251.

(8) رواه البخاري (3673)، ومسلم (2541)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(9) رواه مسلم (2541)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه: «كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد». وانظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/251–252.

(10) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، 2/252.

(11) المصدر السابق، 2/253.

(12) المصدر السابق، 2/253.

(13) المصدر السابق، 2/283–284.

(14) رواه البخاري (3651)، ومسلم (2533)، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.