آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم (سورة النور)

قوله تبارك وتعالى : ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)).

أخرج الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح – ووافقه الذهبي في التلخيص – عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال : ((لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحد فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا تخاف إلا الله عز وجل، فأنزل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)) إلى : ((وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ)) يعني بالنعمة ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) – المستدرك – رقم 3563 جـ 3 -.

قال الإمام أبو بكر بن العربي : ((قال مالك : هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)؛ وقال علماؤنا (يعني : علماء المالكية) : ((هذه الآية وعد حق وقول صدق يدل على صحة إمامة الخلفاء الأربعة لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فأولئك مقطوع بإمامتهم متفق عليهم. وصدق وعد الله فيهم وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم واستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبّوا عن حوزة الدين فنفذوا الوعد فيهم وصدق الكلام فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد بهم ينجز وفيهم نفذ وعليهم ورد ففيمن يكون إذن؟)).

ولمثل هذا الاستنباط الدقيق ذهب أبو الفضل البرقعي – عليه رحمة الله تعالى – في كتابه: ((كسر الضم، نقض أصول الكافي)) وهو يدحض رواية الكليني عن جعفر الصادق رضي الله عنه من أن هذه الآية وعد من الله لأئمة الاثني عشر بالاستخلاف في الأرض،

يقول البرقعي – رحمه الله – : ((هذه الأية تستهل الخطاب بكلمة ((منكم)) فهي تقول : يا أيها الذين أمنوا من أصحاب محمد سوف أجعلكم خلفاء المشركين وأعطيكم الدولة وأمكنكم؛ وهدف هذه الدولة الإسلامية هو العمل بالتوحيد الخالص والبعد عن الشرك؛ ويبدوا أن عبد الله بن سنان الكذاب لم ير كلمة منكم ونسب ذلك كذباً للإمام قائلاً : أن القصد هو التمكين من دولة الأئمة مع أن الآئمة لم يكن لهم دولة، والشيعة العوام أيضاً اتبعوا عبد الله بن سنان ويقولون إن المقصود هو دولة الإمام الثاني عشر كأن هؤلاء المدّعون لم يروا كلمة ((منكم)) ؛ تدل هذه الآية أن الدولة الإسلامية التي قامت في عهد الرسول وخلفائه قد قامت كما وعد الله، وإلى هذا أشار سيدنا الأمير (يعني : عليا رضي الله عنه) في نهج البلاغة في الخطبة رقم 146 حين وقعت الحرب بين المسلمين، و الفرس حيث قال لعمر : ((ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده))

ويقول رحمه الله في موضع آخر داحضاً مزاعم الطاعنين في الخلفاء الثلاثة ومعهم المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم أجمعين بزعم أنهم اغتصبوا حق علي في الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول :

((لماذا يغتصب هؤلاء حق علي؟ واي حق هذا الذي اغتصبوه؟ وينبغي علينا أن نورد بعض الآيات التي اتفق على تفسيرها أهل السنة والشيعة كي يقرأها الناس ويطلعون على الحقائق، ففي سورة التوبة الآية 99 : ((وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)). وفي سورة التوبة الآية 100 : ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) هؤلاء المهاجرون الأولون الذين رضى الله عنهم ووعدهم الجنة والفوز العظيم فهل هؤلاء هم الذين اغتصبوا حق علي؟ …

فهل كان الله سبحانه يجهل – نعوذ بالله – إنهم سوف يفعلون ذلك ومع ذلك أهملهم وتركهم يتمكنون؟

بل تم انتخاب أبى بكر ليتدارك الفوضى التي أوشكت أن تقع ولحفظ الإسلام وتدبير الأمن والحيلولة دون تسلط الكفار والمشركين وتم تشكيل حكومة لسد الفرقة وحفظ هيبة الإسلام وكيانه، ولو لم يفعلوا ما فعلوا لقامت قائمة بعض الكذابين كمسيلمة الكذاب وآخرون آلاف من أمثاله ولتمكنوا من القضاء على الإسلام وهو لا يزال حديث العهد لأن أغلب الأعراب حول المدينة قد ارتدوا، إذا فهؤلاء المهاجرون والأنصار قاموا بواجبهم خير قيام ولم يغتصبوا حق لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مدحهم وهم الذين نشروا الإسلام في بقاع الأرض. الآية 20 ، 21 ، 22 من سورة التوبة : ((الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ . يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ))

فهؤلاء المهاجرون الأولون والأنصار الذين مدحهم الله في كتابه من هم؟

إنهم ليسوا سوى الخلفاء الأربعة وسائر أصحابهم. ومع هذا يقول الشيعة إن رويات الكليني ورواته الوضاعون والمجاهيل صحيحة وهذه الآيات – نعوذ بالله – لا تعني شيئاً ! لماذا؟ لأنهم يقولون إن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ارتدوا جميعاً إلا ثلاثة منهم : سلمان وأبو ذر والمقداد، وهم ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار.

نحن نقول : إذا كانوا كفاراً ومرتدين فبمن تتعلق هذه الآيات التي تثني على المهاجرين والأنصار؟ هل توفى كل هؤلاء المهاجرين والأنصار الذين أثنى عليهم الله في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم)؟! أم أنهم خافوا من أبى بكر وعمر؟!

قولوا لنا : هل كان جيش أبى بكر سوى هؤلاء المهاجرين والأنصار؟! هل تراه جهز جيشاً من الخارج؟! أم إنه – نعوذ بالله – اشترى جميع المهاجرين والأنصار بمبالغ كبيرة كان يرشوهم بها؟! أم ترى كانت له قبيلة كبيرة في المدينة؟ لا والله … لم يكن هذا ولا شيء منه. بل لقد اجتمع هؤلاء الأخيار الذين أثنى الله عليهم في كتابه واختاروا أفضلهم لحفظ كيان الإسلام وطلباً لرضا الله)) إلى أن يقول رحمه الله : ((إذن تلك الأخبار المختلقة التي تقول ارتد الناس على أعقابهم كفاراً إلا ثلاثة كانت كذباً يقيناً)).