الصحابة المبشرون بالجنة (8): الحسين بن علي رضي الله عنهما
هو الإمام السيد الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو عبد الله المدني، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته من الدنيا. وهو ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رابع الخلفاء الراشدين، وحفيد أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، كما ثبت في الحديث الصحيح، وقد سبق جملة من مناقبه في ترجمة أخيه الحسن بن علي رضي الله عنهما.
ولد رضي الله عنه بالمدينة النبوية في شعبان سنة أربع من الهجرة على المشهور، وقد قارن مولده مولد أخيه الحسن في الفترة الزمنية، حتى قال جعفر بن محمد الصادق: «لم يكن بين الحمل بالحسين وولادة الحسن إلا طهر واحد»(1). وقد ولد في كنف النبوة، فحظي بالعناية الربانية والتربية النبوية الشريفة، وحفظ عن جده صلى الله عليه وسلم وعن أبيه وأمه وأخيه وكبار الصحابة، فجمع شرف النسب إلى شرف العلم والفضل والجهاد.
وقد تواترت الأحاديث في فضله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم له، فروى الترمذي وحسّنه عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط»(2). وفي هذا الحديث من الإخبار النبوي ما يدل على المنزلة الرفيعة للحسين عند جده صلى الله عليه وسلم، حيث جعل محبته متصلة بمحبة الله تعالى، ووصفه بأنه سبط من الأسباط، أي أمة من الأمم في الخير والبركة.
وقد كان الحسين رضي الله عنه نموذجا في العبادة والزهد والكرم وسائر خلال الخير. قال الزبير بن بكار: حدثني مصعب قال: «حج الحسين خمسا وعشرين حجة ماشيا»(3)، وفي هذا غاية التواضع لله تعالى، وشدة الحرص على بيته الحرام، وقد كانت النجائب تقاد بين يديه. قال أهل العلم بسيرته: كان الحسين رضي الله عنه فاضلا، كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة، وأفعال الخير جميعها، يقتدي في ذلك بأبيه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ويسير على هدي جده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان معروفا بالكرم والجود وإكرام الضيف، وإطعام الطعام، حتى كان يقاسم الله ماله مرات، أسوة بأخيه الحسن رضي الله عنهما.
ثم كانت قصة استشهاده رضي الله عنه من أعظم الفجائع التي ابتليت بها الأمة الإسلامية، إذ خرج إلى الكوفة بعد أن كاتبه أهلها يستنجدونه ويبايعونه ويعدونه بالنصرة، فلما توجه إليهم خذلوه وأسلموه، وأحاط به جيش عبيد الله بن زياد بأرض كربلاء من أرض العراق، فاستشهد رضي الله عنه يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت، يوم عاشوراء، العاشر من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، وله من العمر ست وخمسون سنة. وقد حزن الناس عليه حزنا شديدا، وعظمت المصيبة على المسلمين عامة، وعلى أهل بيته خاصة، وأكثر الشعراء فيه المراثي، وصارت ذكرى استشهاده موعظة بالغة لكل من تأمل فيها رضي الله عنه وأرضاه.
وقد رزق الحسين رضي الله عنه أولادا، منهم: علي الأكبر الذي استشهد معه بكربلاء، وعلي الأصغر وهو زين العابدين الذي بقي بعده فمنه ذرية الحسين، وفاطمة، وسكينة رضي الله عنهم جميعا. قال الحافظ ابن حجر: «وقد صنف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغث والسمين، والصحيح والسقيم. استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله ست وخمسون سنة»(4)، وفي تنبيه الحافظ ما يدل على وجوب التحري والتثبت فيما يروى في مقتله رضي الله عنه، إذ دخل في تلك الروايات كثير من الموضوعات والإسرائيليات والمبالغات التي لا تليق بمقام الصحابة الكرام.
وقد تواترت البشارة له ولأخيه رضي الله عنهما بالجنة، حتى بلغت حد التواتر القطعي كما تقدم تفصيله في ترجمة أخيه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وذلك من حديث ثمانية عشر صحابيا ومرسل واحد، وأشهر ما ورد في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، وهي بشارة جامعة دالة على علو منزلتهما عند الله تعالى، وعظيم مكانتهما يوم القيامة، فرضي الله عنهما وأرضاهما، وجمعنا بهما في دار كرامته.
الهوامش:
(1) ينظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (1/264).
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (17704)، والترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين، برقم (3775)، وابن ماجه في سننه برقم (144). قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1/22): «هذا إسناد حسن، رجاله ثقات».
(3) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم (2844)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/135): «رواه الطبراني بإسناد منقطع».
(4) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/228)، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (2/76).