آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم في سورة الفتح (ج3)

قوله تبارك وتعالى : ((مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)).

هذه الآيات الكريمة العظيمة خاصة في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وليس لغيرهم فيها نصيب إلا من اتبعهم بإحسان. قيل هذه الآيات في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه الحديبية، وقيل عامة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهو الأصح. وذكر صفاتهم بأنهم : أشداء على الكفار، فهم استجابوا لقول الحق تبارك وتعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)) – التوبة 123 – رحماء بينهم، وفي التاريخ وقائع كثيرة تشهد بهذا برغم ما شجر بينهم، فلم يكن عن دوافع البغض والكراهية. ركعا سجداً، و هو خبر عن اجتهادهم في العبادة. يبتغون فضلاً من الله ورضواناً : تزكية لعبادتهم بأنها خالصة لله تعالى.

((سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ : أي تظهر علاماتهم في جباههم من أثر السجود في الصلاة لكثرة التعبد بالليل والنهار)) أو كما اشتهر عنهم – رضي الله عنهم – : فرسان بالنهار ورهبان بالليل. ((ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ … الآية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله السماوات والأرض)).

((وعن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه قال : ((بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون : ((والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا)) وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم)).

وفي قوله تعالى ((وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ … الآية، ذكر العلامة صديق حسن في فتح البيان هذا المثل الذي ذكره القرآن، في إنجيل متى وإنجيل لوفا من ترجمته إلى العربية، ووجدته في انجيل متى كما يلي : ((في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس عند البحر، فاجتمع إليه جموع كثيرة حتى أنه دخل السفينة وجلس، والجمع كله واقف على الشاطئ، فكلمهم كثيراً بأمثال قائلاً هو ذا الزّارع قد خرج ليزرع،و فيما هو يزرع سقط بعض على الطريق، فجاءت الطيور وأكلته، وسقط آخر على الأماكن المحجرة حيث لم تكن تربة كثيرة فنب حالاً إذ لم يكن هناك عمق أرض. ولكن لما أشرقت الشمس احترق، وإذ لم يكن له أصل جفّ، وسقط آخر على الشوك، فطلع الشوك وخنقه، وسقط آخر على الأرض الجيدة، فأعطى ثمراً، بعضٌ مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين، من له أذنان للسمع فليسمع)).

وقوله جل وعلا : ((لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) أي : أن الله تعالى خلقهم واصطفاهم لنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، والتمكين لدين الإسلام ليظهره على الدين كله بهؤلاء الأخيار رضي الله تعالى عنهم، قال الإمام مالك رحمه الله : ((من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية)) ومن هنا ذهب مالك وطائفة من العلماء إلى تكفير الروافض الذين يسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)).

والحق أن المشهور من أقوال الروافض تكفيرهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة – كما في الكافي للكليني وهم مجمعون على صحته وتوثيق كاتبه : ((أن الناس ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، سلمان وأبو ذر والمقداد)).

وهذا القول الشنيع وحده كاف لتكفير قائله، فضلاً عن استباحتهم دماء أهل السنة وتكفيرهم لهم وجواز الوقيعة فيهم والقول بنجاستهم. وقوله تبارك وتعالى : ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) وعد لهم من الله عز وجل بالمغفرة والأجر العظيم في الآخرة، وشهادة لهم بالإيمان والعمل الصالح. وقوله : ((منهم)) ف من هنا لبيان الجنس، أي : أن الله تبارك وتعالى وعد كل من آمن وعمل صالحاً واتصف بصفاتهم التي ذكرناها بالمغفرة والأجر العظيم، وفيه حث وترغيب للسير على نهجهم والاتصاف بصفاتهم رضي الله عنهم أجمعين.