آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم في سورة الأحزاب (ج2)
قوله تبارك وتعالى : ((وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)).
هذه الآيات البينات خطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وفيها أمر الله تعالى لهن بجملة من الآداب والأحكام الشرعية تكريماً لهن رضي الله عنهن، وكما لا يخفى أن باقي نساء المؤمنين تبع لهن في هذه الأحكام والآداب، وقوله تعالى : ((نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ)) بيان من الله تعالى لشرف منزلتهن، وقد أخبر تعالى فيما قبلها من الآيات أن من جاء من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بفاحشة يضاعف لها العذاب ضعفين. وفي هذه الآية تضاعف لها الحسنات لأنهن لسن كأحد من النساء فهن أعظم شرفاً، وشريف المنزلة لا يحتمل منه العثرات فإن من يقتدي به وترفع منزلته لجدير أن يرتفع فعله على الأفعال ويعظم حاله على الأحوال.
وقال القاسمي رحمه الله في التفسير : ((وَمَن يَقْنُتْ ، أي : يدم مطيعاً ((مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ)) أي : في إتيان الواجبات وترك المحرمات والمكروهات ((وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ)) أي مرة على الطاعة والتقوى وأخرى على طلبهن رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة ((وَأَعْتَدْنَا لَهَا)) أي : زيادة على أجرها المضاعف في الجنة، أو فيها أو في الدنيا ((رِزْقًا كَرِيمًا)) أي : حسناً مرضيا ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)) أي : ((اسكن ولا تخرجن منها)) .
قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى : ((تعلق الرافضة بهذه الآية على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، إذ قالوا : ((إنها خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت تقود الجيوش، وتباشر الحروب، وتقتحم مأزق الحرب والضرب، فيما لم يفرض عليها، ولا يجوز لها)). ولقد حُصِرَ عثمان – رضي الله عنه – فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فَقُرِّبت، لتخرج إلى مكة (للحج)، فقال لها مروان بن الحكم : ((يا أم المؤمنين، أقيمي هنا، وردي هؤلاء الرعاع عن عثمان، فإن الإصلاح بين الناس خير من حجك)).
وقال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن عائشة كانت نذرت الحج قبل الفتنة فلم تر التخلف عن نذرها. ولو خرجت عن تلك الثائرة لكان ذلك صواباً لها. وأما خروجها إلى حرب الجمل، فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها وشكو إليها من عظيم الفتنة، وتهارج الناس، ورجوا بركتها في الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت على الخلق وظَنَّت هي ذلك، فخرجت مقتدية بالله في قوله : (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) – النساء 114 – وبقوله : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) – الحجرات 9 – والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى حرّ أم عبد، فلم يرد الله بسابق قضائه، ونافذ حكمه، أن يقع إصلاح، ولكن جرت مطاعانات وجراحات، حتى كاد يفنى الفريقان، فعمد بعضهم إلى الجمل فَعَرْقَبَهُ، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة فاحتملها إلى البصرة وخرجت في ثلاثين إمرأة قَرَنَهُنَّ عَلِيٌّ بها حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة، مصيبة ثابتة فيما تأولت، مأجورة فيما تأولت وفعلت، إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب)).
وآية الأحزاب هذه : ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ … الآية 33)) دليل قرآني قطعي الدلالة أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم هن من آل بيته الكريم رضي الله عنهم أجميعن ولا عبرة بقول من يزعم أن نساءه صلى الله عليه وسلم لسن من آل بيته لمخالفته صريح هذه الآية وصريح حديث أبي حميد الساعدي – رضي الله عنهما – المتفق عليه – وفيه : ((أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))، وما رواه الإمام مسلم عن حصين بن سبرة، عن زيد بن أرقم، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أما بعد، أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث عَلَى كتاب الله ورغَّبَ فيه. ثم قال : وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. قالها ثلاثاً. فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال : نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده. قال : ومن هم؟ قال : آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي الله عنهم -)) وأما ما ذهبت إليه الرافضة من أن آل بيته صلى الله عليه وسلم هم علي وفاطمة والحسن والحسين وحصر الإمامة والعصمة في مَنْ تفرع من ذرية الحسين رضي الله عنه من زوجته الفارسية، فهو من حماقات الروافض، وحاشا القرآن العظيم والسنة النبوية المطهرة أن تأتيا بمثل هذا ((قال أبو السعود – رحمه الله – : ((وهذه الآية كما ترى آية بينة وحجة نيرة على كون نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته قاضية ببطلان رأي الشيعة في تخصيصهم أهلية البيت بفاطمة وعلي وأبنيهما رضوان الله عليهم، وأما ما تمسكوا به من حديث الكساء وتلاوته صلى الله عليه وسلم الآية بعده، فإنما يدل على كونهم من أهل البيت لا على أن من عداهم ليسوا كذلك ولو فرضت دلالته على ذلك لما اعتد بها، لكونها في مقابلة النص))
لأن النص القطعي الثبوت والدلالة مقدم على النص الظني الثبوت والدلالة. وتعلقوا كذلك بقوله تعالى : ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) ليستدلوا بها على عصمة فاطمة وعلي والحسنين رضي الله عنهما، وليس فيها دلالة على عصمتهم وإمامتهم وتجد تفصيل هذا مبسوطاً في منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام عليه رحمة الله تبارك وتعالى.