آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم في سورة الفتح (ج1)
قوله تبارك وتعالى : ((هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)) .
هذه الآية الكريمة – بإجماع المفسرين – نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه الحديبية. قال ابن عباس – رضي الله عنهما – : السكينة هي الرحمة. وقال الشيخ الشنقيطي – رحمة الله عليه – : ((ذكر الله جل وعلا في هذه الآية (يعني قوله تعالى في نفس السورة : ((فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) والسكينة تشمل الطمأنينة والحق والثبات والشجاعة عند البأس، وقد ذكر جل وعلا إنزاله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين في براءة، قوله تعالى : ((ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) وذكر إنزاله سكينته على رسوله في قوله تعالى : ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ))، وذكر إنزاله سكينته على المؤمنين في قوله تعالى : ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ )). وهذه الآيات كلها لم يُبين فيها موضع إنزال السكينة وقد بين في هذه السورة الكريمة أن محل إنزال السكينة هي القلوب)).
((وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما – قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر، فسلّم، فإذا ضبابة أو سحابة غشيته، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال : ((إقرأ فلان، فإنها السكينة نزلت للقرآن)). وفي روايات أخرى عند البخاري وغيره أن القارئ هو : الصحابي أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه، وهذه إحدى كرامات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة نقلت إلينا نقلاً صحيحاً بأسانيد موثوقة جداً، وأين منها ما يهذي به مخرفوا الروافض وطرقية الصوفية من حكايات لا تستند إلى صحيح المنقول ولا صريح المعقول. ولولا أني لا أحب أن أسود هذه الصفحات المباركة – إن شاء الله تعالى – لسقت أمثلة مضحكة منها ومن مصادر القوم الموثوقة عندهم ليرى القارئ الكريم مدى جناية البدعة على عقول أصحابها، ونقول ما يقول الحافظ الذهبي رحمة الله تعالى عليه : ((سبحان واهب العقول ونحمد الله تعالى على السلامة)) فالحمد لله تبارك و تعالى أن أنار قلوبنا وعقولنا بالقرآن العظيم وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
قوله تبارك وتعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)) ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)).
يسجل الحق تبارك وتعالى في هذه السورة بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية وهي المعروفة ببيعة الرضوان. وتجد تفاصيل أحداثها مبسوطة في كتب التفسير والحديث والسيرة ويهمنا من أحداثها هنا بيان مناقب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نزلت بخصوصهم هذه الآيات الكريمة، فكانوا نحواً من ألف وأربعمائة صحابياً.
وفي رواية جابر رضي الله عنه عند البخاري ألف وخمسمائة وقيل غير ذلك. وقوله تعالى : ((يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) شرف عظيم جداً لم ينله غيرهم وقد تكرر على التشريف العظيم لهم مؤكداً برضا الله تعالى عنهم ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) من الصدق والإخلاص وقوة الإيمان، ((فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) فرزقهم الطمأنينة والرضا، ثم أتابهم فتحاً قريباً وهو فتح خيبر وقيل هو الفتح الأكبر – فتح مكة وتطهيرها من رجس الشرك، ((ومغانم كثيرة يأخذونها، وقد صدقهم الله عز وجل، فكانت هذه الغنائم في خيبر وحنين وفتوح الردة وفارس والروم، وفي بيعة الرضوان منقبة عظيمة لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعته سفيراً إلى قريش، فأجاره من غدر قريش أبان بن سعيد بن العاص حتى أبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سمحت له قريش بالطواف فأبى أن يسبق النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف، وقد أخرته قريش فحسب المسلمون أنها قتلته، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة تحت الشجرة، فبايعوه جميعاً سوى الجد بن قيس – وكان منافقاً – وكانت البيعة على الموت، وفي رويات أخرى أنهم بايعوه ألا يفروا وليس على الموت، أو أنهم بايعوه على الصبر ولا تعارض في ذلك لأن المراد بالمبايعة على الموت ألا يفروا.
وأول من بادر إلى البيعة أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي، ثم تتابع الأصحاب، وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على موقف الصحابة ومبادرتهم إلى البيعة فقال : ((أنتم خير أهل الأرض)). وقال : ((لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها)) ولما كان عثمان رضي الله عنه محبوساً في قريش فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى : ((هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال : ((هذه لعثمان)) فعد من المبايعيين تحت الشجرة، ولكن عثمان رجع إلى المسلمين بعد بيعة الرضوان مباشرة)).
وقوله تعالى : ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) أي : علم الحق تبارك وتعالى ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص في مبايعتهم، وقيل : من الإيمان وصحته وحب الدّين والحرص عليه. والرافضة لا يقبلون ولا يرضون بشهادة العليم الخبير وعلمه بما في قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من صدق وإخلاص وإيمان، ويأخذون بروايات الكليني وأمثاله من أئمة الكذب والكفر، واستحلوا السبَّ والطعن في الصحابة رضي الله عنهم. وتعلق خلفهم من بعدهم بإلقاء الشبهات الفاسدة على محكم آيات الكتاب، وهم يعلمون فسادها وبطلانها ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً)) ورحم الله الشافعي الذي قال : “ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة”.