مواقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه (3): حكمة الصدّيق في السقيفة وحزمه في إنفاذ البعث

لم تكد تنتهي مراسم الحزن برحيل المصطفى ﷺ حتى واجهت الأمة أول اختباراتها الشرعية؛ إذ كان لا بد من سدّ ثغرة القيادة لضمان استقرار الدين وحفظ بيضة المسلمين. وفي تلك اللحظات الحرجة، تجلت عبقرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ليس فقط كقائد عسكري حازم، بل كفقيهٍ سياسيٍّ استطاع بالوحي والحكمة أن يجمع شتات الرأي في “سقيفة بني ساعدة”، ويحفظ هيبة الدولة بقرار “بعث أسامة”.

حين اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتشاور في أمر الإمارة، وبرز قول خطيبهم الحباب بن المنذر: “منا أمير ومنكم أمير” (1)، بادر الصديق رضي الله عنه مع عمر وأبي عبيدة بالذهاب إليهم، مرجحاً الحوار المباشر على المراسلة. وفي ذلك المقام، ألقى الصديق خطبة جامعة، اتسمت بالرصانة والتدليل بالمنقول والمعقول؛ فأكد على مركزية قريش في القيادة لجمع كلمة العرب، مستشهداً بقوله ﷺ: «الأئمة من قريش» (2).

ولم يكن طرح الصديق إقصائياً، بل كان تأسيساً لمبدأ التكامل، حيث قال: “نحن الأمراء وأنتم الوزراء”، مذكراً الجميع بوصية النبي ﷺ بالأنصار خيراً، وأن يُقبل من محسنهم ويُتجاوز عن مسيئهم (3).

لم يكتفِ الصديق بالحديث الشريف، بل انتقل إلى الاستدلال القرآني الدقيق لإقناع الأنصار برؤيته؛ فبيّن أن الله سبحانه سمى المهاجرين بـ {الصادقين} في سورة الحشر، وسمى الأنصار بـ {المفلحين}، ثم أمر الأمة في سورة التوبة باتباع الصادقين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (4).

كانت هذه القوة في الحجة هي المفتاح الذي انقادت إليه النفوس، حتى أقرّ سيد الأنصار سعد بن عبادة رضي الله عنه بصدق قول أبي بكر، قائلاً: “صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء”، لتنتهي تلك الأزمة بمبايعة الصديق وحفظ وحدة الأمة.

بعد استقرار الأمر، واجه الصديق تحدياً آخر وهو “جيش أسامة بن زيد”، الذي كان قد ندبه النبي ﷺ قبل وفاته. ورغم اضطراب العرب حول المدينة وإشارة عمر بن الخطاب بضرورة إبقاء الجيش لحماية المدينة، إلا أن رد الصديق جاء كالصاعقة على كل تردد، قائلاً قولته الشهيرة: “لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله ﷺ” (5).

لقد أثبت هذا القرار بُعد نظرٍ استراتيجي؛ إذ إن القبائل التي كانت تهم بالردة حين رأت الجيش يخرج، قالت: “لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم”، فكان إنفاذ الجيش سبباً في كسر شوكة الارتداد وإعادة الهيبة للدولة الإسلامية.

إن موقف الصديق في السقيفة ثم في إنفاذ البعث، يمثل أنموذجاً فريداً في “السياسة الشرعية”؛ حيث زاوج بين اللين والحوار لجمع الكلمة، وبين الحزم والصرامة لإمضاء السنة. لقد كان الصديق حقاً هو الرجل الذي استطاع أن يعبر بالأمة من اضطراب الوفاة إلى استقرار الخلافة، متمسكاً بخطى النبوة دون حيد أو تراجع.


الهوامش والتعليقات:

(1) خطيب الأنصار: الذي قال “منا أمير ومنكم أمير” هو الحباب بن المنذر رضي الله عنه. انظر: ابن كثير، البداية والنهاية (5: 247).

(2) حديث الأئمة من قريش: ورد في مسند الطيالسي (رقم 926 و2133)، وصحيح البخاري (كتاب الأحكام)، ومسند الإمام أحمد بعدة طرق، منها ما رواه عن أنس بن مالك وأبي برزة، وفيه تأكيد على حق قريش في الولاية ما أقاموا الدين وعدلوا في الحكم.

(3) الوصية بالأنصار: رواه البخاري في “مناقب الأنصار” من حديث أنس بن مالك، وفيه قوله ﷺ: “الأنصار كرشي وعيبتي… فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم”. (4) الاستدلال القرآني: يشير الصديق هنا إلى الآيات (8-9) من سورة الحشر التي وصفت المهاجرين بالصدق والأنصار بالفلاح، والآية (119) من سورة التوبة التي أمرت بمعية الصادقين.

(5) إنفاذ البعث: نقل ابن كثير في البداية والنهاية (6: 305) عن البيهقي وأبي هريرة رضي الله عنه عظم هذا الموقف، وكيف كان سبباً في تثبيت الإسلام ومنع القبائل من الردة خوفاً من قوة المسلمين الظاهرة بإنفاذ الجيش.