مواقف أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلّم. (1)
لقد مثل انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى الهزة الأكبر في تاريخ الأمة الإسلامية، فكانت رزية لم تصب الإسلام في رجاله فحسب، بل كادت أن تعصف بكيان الدولة الناشئة في مهدها. وفي تلك اللحظة الفارقة من عمر الزمن، تدارك الله -عز وجل- دينه وأمة الإسلام بحكمة وحزم خليفة رسول الله، أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان الصخرة التي تكسرت عليها أمواج الفتن، واليد التي أعادت ترتيب شتات الأنام بعد أن ظن الكثيرون أن شمس الإسلام قد آذنت بالغروب.
حين نُفذ وعد الله سبحانه باستئثار رسوله ﷺ وموته (1)، انقشع بخروجه من الدنيا نور النبوة المباشر، وواجهت المدينة المنورة وجزيرة العرب غمةً انجيابها لم يكن ليحدث إلا بمدد إلهي وتوفيق لمن قام بالأمر بعده. لقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك المشهد المهيب بكلمات بليغة، حيث ذكرت أنه لما قُبض النبي ﷺ، ارتدت العرب قاطبة، وأشرأب النفاق في كل حدب وصوب، فكانت المصيبة لو نزلت بالجبال الراسيات لهدّتها، حتى صار أصحاب محمد ﷺ في حيرتهم وخوفهم من تكالب الفتن “كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة” (2).
في هذا الجو المشحون بالقلق، برز قرار الصدّيق بإنفاذ جيش أسامة بن زيد كأول مظهر من مظاهر الثبات المنهجي. كان هذا الجيش يتكون من نحو سبعمائة مقاتل، ندبهم النبي ﷺ قبل وفاته للمسير إلى تخوم البلقاء (شرق الأردن)، حيث استشهد قادة الإسلام العظام: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة (3).
وعلى الرغم من اضطراب الأوضاع، وإشارة كبار الصحابة -وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه- بضرورة التريث وعدم إنفاذ الجيش حتى يستقر الأمر في المدينة وتُخمد ثورات المرتدين، إلا أن أبا بكر الصديق كان له رأي آخر يستمد قوته من الوفاء التام للمنهج النبوي؛ فقد أبى إلا أن ينفذ ما بدأه رسول الله ﷺ، فطار بزمام الأمور، وفصل في مواطن الاختلاف بقرار تاريخي قطع دابر التردد، فكان تدارك الله للأمة بفضل هذا الحزم الصدّيقي.
إن إقامة الدين على التمام بعد وفاة النبي ﷺ كانت تقتضي قيادة تدرك أن استمرار الرسالة لا يرتبط بحياة صاحبها بقدر ما يرتبط بالوفاء بعهده وإمضاء أمره. وهكذا انقشعت الغمة عن الإسلام، وانجابت سحب الفتنة كما ينجاب الغمام، بفضل “تدارك الله للإسلام والأنام بأبي بكر الصديق” (4)، الذي أثبت بفعله أن قوة العقيدة قادرة على تحويل الضعف إلى قوة، والشتات إلى وحدة، والمصيبة إلى فتح مبين.
(1) استئثار الله برسوله: يقال استأثر الله بفلان، أو بفلان، إذا مات وقبض الله روحه إليه.
(2) وصف السيدة عائشة: نقله ابن كثير في البداية والنهاية (6: 304 – 305) من حديث القاسم بن محمد بن أبي بكر وعمرة بنت سعيد الأنصارية عن عائشة رضي الله عنها. والمراد بالوصف أن الصحابة صاروا من شدة الحيرة والضيق كغنم بللها المطر في ليلة باردة وسط أرض مليئة بالسباع، وهو تعبير عن ذروة الخطر واضطراب الحال.
(3) جيش أسامة: كان قوام الجيش سبعمائة، وتوجهه إلى تخوم البلقاء (شرق الأردن) كان بأمر نبوي صريح قبل الوفاة. وقد كان موقف الصديق من إنفاذه من أعظم مواقفه التاريخية والشرعية.
(4) المعنى المراد: أي أن رحمة الله ولطفه قد تداركا أمة الإسلام في تلك اللحظة الحرجة عن طريق قيادة وحكمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.