الصحابة المبشّرون بالجنّة (15) : عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه

هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي، أبو جابر بن عبد الله، والد الصحابي الجليل. شهد بيعة العقبة وبدرا، وكان أحد النقباء الاثني عشر، نقيبا على بني سَلَمَة هو والبراء بن معرور (1).

وكان رضي الله عنه يستشعر اقتراب أجله قبل غزوة أحد، فعن جابر بن عبد الله قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يُقتل من أصحاب النبي ﷺ، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير رسول الله ﷺ، فإن عليّ دينا فاقضِ، واستوصِ بإخوتك خيرا. فلما أصبح، خرج إلى أحد، فكان أول قتيل من المسلمين. ترك تسعا من البنات، ودَيْنا في ذمته، ووصيةً لابنه (2).

وقد دُفن مع صفيّه وصاحبه عمرو بن الجَمُوح في قبر واحد، فقال النبي ﷺ: «ادفنوهما في قبر واحد، فإنهما كانا متصادقَين متصافيَين في الدنيا» (3). وكان عمرو زوج أخته هند بنت عمرو بن حرام.

ولما رآه ابنه جابر وقد مُثّل به، جعل يبكي والقوم ينهونه ورسول الله ﷺ لا ينهاه، وجعلت عمته فاطمة بنت عمرو تبكي، فقال النبي ﷺ: «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تُظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه» (4). وأبقاه جابر مع صاحبه في القبر مدة، ثم لم تطب نفسه بذلك، فاستخرجه بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وُضع، هيئةً غير أذنه (5).

أما الدَّيْن الذي تركه أبوه، فقد قصده جابر فيه إلى النبي ﷺ، فقال: إن أبي ترك عليه دينا، وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يُفحِش عليّ الغرماء. فمشى النبي ﷺ حول بيدر من بيادر التمر فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه فقال: «انزعوه»، فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم (6).

ومن أعظم ما أُكرم به عبد الله بن عمرو بعد استشهاده، ما أخبر به النبي ﷺ ابنَه جابرا؛ فعن طلحة بن خِراش قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما قُتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد، لقيني رسول الله ﷺ فقال: «يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟» قلت: يا رسول الله، استُشهد أبي، وترك عيالا ودَيْنا. قال: «أفلا أبشّرك بما لقي الله به أباك؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «ما كلّم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفاحا، فقال: يا عبدي، تمنَّ عليّ أُعطِك. قال: يا ربّ، تُحْييني فأُقتل فيك ثانية. فقال الربّ سبحانه: إنه سبق منّي أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا ربّ، فأبلغ مَن ورائي». قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. أخرجه الترمذي وغيره، وحسّنه (7).

وقد ثبتت البشارة له بالجنة من حديث جابر هذا، ومن حديث عائشة رضي الله عنها.


الهوامش:

(1) معرفة الصحابة، أبو نعيم الأصبهاني (3/1715)؛ أسد الغابة، ابن الأثير (1/656).

(2) أخرجه البخاري في صحيحه (1286).

(3) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (11774) و(37912)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3870) بإسناد مرسل.

(4) أخرجه أحمد في المسند (3/298)، والبخاري (1244) و(4080)، ومسلم (2471)، والنسائي (4/13).

(5) أخرجه البخاري (1286).

(6) أخرجه البخاري (3387).

(7) أخرجه الترمذي في سننه (3010)، وابن ماجه (190)، وابن حبان في صحيحه (15/490)، والحاكم في المستدرك (4914)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، من طرق عن موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خِراش، عن جابر. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وموسى بن إبراهيم بن كثير ذكره ابن حبان في الثقات (7/449) وقال: كان ممن يخطئ، وقال الذهبي في الكاشف (2/301): وُثّق. وحسّنه الألباني في ظلال الجنة (1/326).