عثمان بن عفان رضي الله عنه أحقّ بالخلافة وموضع إجماع الصحابة رضي الله عنهم
اجتمع المسلمون على بيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه عن رضا واختيار، فكانت بيعته بيعة شرعية عامة، قائمة على الشورى، والإجماع، والرضا الشعبي، ولم تكن نتيجة فرضٍ سياسي ولا تغلّبٍ سلطوي، بل ثمرة اختيار واعٍ من كبار الصحابة وأهل الحل والعقد وسائر المسلمين. وقد كان عثمان رضي الله عنه في ميزان الفضل والسابقة من أعظم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر وعمر، كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة الصريحة.
فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «ما كنا نعدل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم»(1)، وفي رواية قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعنا ولا ينكره»(2)، وهي شهادة عظيمة تدل على أن ترتيب الصحابة في الفضل كان معروفًا في زمن النبوة، مقرًّا بسكوت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سكوت إقرار وتشريع، لا مجرد سماع.
وهذا المعنى أكّده كبار الصحابة، فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في بيعة عثمان: «ولّينا أعلاها ذا فوق»(3)، أي ولّينا خيرَ من بقي وأفضلهم منزلة، وهي عبارة موجزة لكنها عميقة الدلالة في بيان أحقية عثمان بالخلافة وعلو منزلته بين الصحابة.
ولهذا قرر أئمة السلف هذا الأصل العقدي والتاريخي، فقال الإمام أيوب بن أبي تميمة السختياني، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الدارقطني: «من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار»، أي طعن في اختيارهم، وانتقص من عدالتهم ورشدهم، لأنهم هم الذين بايعوا عثمان وقدموه عن علم ورضا وشورى، لا عن جهل ولا عن هوى.
ويؤكد هذا المعنى ما قاله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو صاحب الشورى ومهندس عملية الاختيار، حين قال: «ما تركت من بيوت المهاجرين والأنصار بيتًا إلا طرقته، فما رأيت أحدًا يعدل بعثمان أحدًا»، أي أن الجميع كانوا يفضلون عثمان، ويقدّمونه على غيره، فكانت البيعة له انعكاسًا لإرادة عامة لا لرأي فردي.
ولهذا بويع عثمان بن عفان رضي الله عنه بيعة عامة بإجماع المسلمين، لا بيعة نخبة ولا بيعة فئة، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان، كانت بإجماعهم»(1)، أي لم تقع بيعة في تاريخ الخلافة الراشدة أرسخ ولا أوضح ولا أصدق إجماعًا من بيعته رضي الله عنه.
وعلى هذا استقر منهج أهل السنة والجماعة، فقرروا أن ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة هو: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وأن من قدّم عليًا على أبي بكر وعمر فهو ضال مبتدع لمخالفته النصوص والإجماع، ومن قدّم عليًا على عثمان فهو مخطئ عند جمهور أهل السنة، لا يُبدَّع ولا يُضلَّل، وإن كان بعض أهل العلم شدد في ذلك وقال: «من قدم عليًا على عثمان فقد زعم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خانوا الأمانة حيث اختاروا عثمان على علي رضي الله عنهما»، لأن هذا التقديم يتضمن طعنًا ضمنيًا في عدالة الصحابة واختيارهم.
وهكذا يتبين أن أحقية عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخلافة ليست قضية تاريخية مجردة، بل هي حقيقة شرعية ثابتة بالنصوص، والإجماع، والشورى، وإرادة الأمة، وشهادة الصحابة، وإقرار أئمة الإسلام، فكانت خلافته خلافة حق، وعدل، وشرعية، وإجماع، ورضا عام، رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
الهوامش:
(1) « صحيح البخاري »، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان، حديث (3697).
(2) « المعجم الكبير » للطبراني (12/13132)، و« السنة » للخلال (ص 398)، و« السنة » لابن أبي عاصم (553)، وقال محققه العلامة الألباني: «إسناده صحيح».
(3) « السنة » للخلال (ص 320).
(4) « السنة » للخلال (ص 320).