رواية الشورى واختيار عثمان بن عفان رضي الله عنه للخلافة

تُعدُّ قصة الشورى التي أفضت إلى اختيار أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه للخلافة من أعظم الوقائع السياسية في التاريخ الإسلامي، ومن أوضح النماذج العملية لتطبيق مبدأ الشورى في الحكم، كما أنها تمثل توثيقًا تاريخيًا محفوظًا في أصح كتب السنة، مما يؤكد أن التاريخ الإسلامي لم يُترك للهوى أو الروايات المرسلة، بل حُفظ بالأسانيد الصحيحة كما حُفظت السنة النبوية.

فعندما طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأيقن بدنو أجله، لم يترك أمر الخلافة فوضى، ولم يورثها لأحد من أهله أو عشيرته، بل جعلها شورى في ستة من كبار الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم جميعًا. وقد وردت هذه القصة مفصلة في صحيح الإمام البخاري في سياق طويل دقيق الرواية عظيم الدلالة. فقد قيل لعمر رضي الله عنه وهو في مرضه: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، فقال كلمته العظيمة: «ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض»، ثم سمّى الستة، وقال: «يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة».¹ وفي هذا النص تتجلى أمانة عمر، وعدله، وتجرده، وحرصه على وحدة الأمة واستقرارها حتى في آخر لحظات حياته.

فلما فُرغ من دفنه اجتمع أهل الشورى رضي الله عنهم، فبدأ تنظيم عملية الاختيار على أسس واضحة، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم»، فبادر الزبير بن العوام رضي الله عنه وقال: جعلت أمري إلى علي بن أبي طالب، وقال طلحة بن عبيد الله: جعلت أمري إلى عثمان بن عفان، وقال سعد بن أبي وقاص: جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. وهكذا تنازل ثلاثة من الصحابة طواعية عن حقهم في الترشيح، فبقي ثلاثة مرشحين: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.

ثم قال عبد الرحمن بن عوف قولته الجامعة التي تُظهر نزاهته وتجرده: «أيُّكما تبرأ من الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرنَّ أفضلهم في نفسه»، فسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: «أفتجعلونه إليَّ، والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكما»، فقالا: نعم. فأخذ العهد والميثاق الشرعي عليهما، فخلا بأحدهما وقال له: «لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن»، ثم خلا بالآخر – وهو عثمان – فقال له مثل ذلك، توثيقًا للعهد، وضمانًا للعدل والطاعة، وصيانةً للأمة من النزاع والفرقة.

فلما استوثق عبد الرحمن من العهود والمواثيق، أعلن القرار التاريخي الذي غيّر مسار الخلافة، فقال: «ارفع يدك يا عثمان»، فبايعه، وبايع له علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم دخل أهل الدار فبايعوه، فتمت البيعة الشرعية العامة لعثمان بن عفان رضي الله عنه كما رواها الإمام البخاري في صحيحه.²

ولم تكن هذه البيعة وليدة لحظة أو قرارًا فرديًا، بل جاءت ثمرة شورى واسعة شاملة، فقد ثبت في صحيح البخاري أيضًا أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه جلس ثلاثة أيام كاملة يستشير المهاجرين والأنصار، بيتًا بيتًا، ورجلًا رجلًا، حتى قال: «والله ما تركت بيتًا من بيوت المهاجرين والأنصار إلا وسألتهم، فما رأيتهم يعدلون بعثمان أحدًا».³ وهذا يدل دلالة قاطعة على أن اختيار عثمان رضي الله عنه كان نتيجة رضا عام، وإجماع عملي، واختيار واعٍ من الأمة، لا فرضًا سياسيًا ولا قرار نخبة مغلقة.

وهكذا جاءت خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ثمرة شورى صادقة، وعدالة منهجية، واختيار جماعي ناضج، في صورة تاريخية راقية تمثل قمة النضج السياسي في الدولة الإسلامية الأولى، وتبقى قصة الشورى شاهدًا خالدًا على عظمة المنهج الإسلامي في تداول السلطة، ونزاهة الصحابة، ونقاء التاريخ الإسلامي من التزوير والتلاعب، رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم.

الهوامش:

(1) « صحيح البخاري »، كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة، حديث (3700).
(2) « صحيح البخاري »، كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة، حديث (3700).
(3) « صحيح البخاري »، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، حديث (7207).