مواقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه: رباطة جأش الصديق عند رحيل المصطفى ﷺ (2)
لم يكن يوم الحادي عشر من ربيع الأول يوماً عادياً في تاريخ المدينة المنورة، بل كان “اليوم الرهيب” الذي اهتزت فيه أركان المجتمع المسلم برحيل النبي ﷺ. وفي الوقت الذي غلب فيه الوجد على كبار الصحابة، تجلت عظمة الصديق أبي بكر رضي الله عنه في ثباتٍ وجنانٍ رابط، ليكون هو الميزان الذي استقرت به النفوس، والحصن الذي احتمى به الإيمان في لحظة الذهول الكبرى.
بدأت أحداث ذلك اليوم بصيص أملٍ لم يدم طويلاً؛ فبعد أن صلى الصديق بالمسلمين صلاة الصبح، أطلّ عليهم النبي ﷺ من حجرته متبسماً، فظن الناس أنه قد أقلع عنه الوجع (1). وبناءً على هذه الإفاقة، استأذن أبو بكر رضي الله عنه في الذهاب إلى منزله بـ “السنح” في عوالي المدينة (2). لكن القدر كان أسرع، إذ اشتد الضحى وفاضت الروح الطاهرة إلى بارئها، فجاء الخبر ليقطع نياط القلوب، فارتدّ الصديق مسرعاً من السنح ليتدارك الموقف الذي لا يحتمل التأخير.
دخل الصديق منزل ابنته عائشة رضي الله عنها، حيث كان الجثمان الطاهر مسجّى، فكشف عن وجه النبي ﷺ في مشهدٍ يفيض بالوفاء والحب، فأكبّ عليه يقبله مودعاً، وقال بلسان اليقين: “بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حياً وميتاً، والله لا يجمع الله عليك الموتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها”. كانت هذه الكلمات إعلاناً صريحاً عن قبول القدر، وتأكيداً على انقطاع عهد النبوة بالوفاة، وبداية عهد جديد من الاستمساك بالمنهج.
بينما كان المسجد النبوي يعج بالاضطراب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه في حالة من الذهول والإنكار الشديد لما حدث، رقي الصديق المنبر بكل ثبات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أطلق صيحته المدوية التي فصلت بين الذات المحمدية والرسالة الإلهية، قائلاً: “أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”. ثم قرأ قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]. فكان لتلك الآية فعل السحر في النفوس، حتى خرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنهم لم يسمعوها من قبل (3).
إن موقف الصديق في ذلك اليوم لم يكن مجرد شجاعة شخصية، بل كان تأسيساً شرعياً لمفهوم بقاء المنهج بعد رحيل النبي صلى الله عليه وسلم. لقد أعاد أبو بكر للأمة وعيها بالوحي، وذكّرها بأن الوفاء للنبي ﷺ يكون باتباع دينه لا بإنكار موته، لينجلي ذلك اليوم الرهيب عن أمةٍ موحدةٍ مستمسكةٍ بكتاب ربها، وبقيادةٍ استلهمت قوتها من التسليم التام لأمر الله.
——————————————————————-
(1) إفاقة النبي ﷺ: ذكر الحافظ ابن كثير في “البداية والنهاية” (5: 244) أن النبي ﷺ كشف سترة الحجرة ونظر إلى المسلمين وهم صفوف خلف أبي بكر فتبسم، فظن المسلمون وأبو بكر أن الوجع قد خف عنه، وهو ما جعل الصديق يستأذن للذهاب إلى أهله.
(2) السنح: هي منازل بني الحارث بن الخزرج في عوالي المدينة، وتبعد عن المسجد النبوي نحو ميل واحد. وكان الصديق هناك في نوبة زوجته ابنة خارجة حين أتاه الخبر عن طريق سالم بن عبيد رضي الله عنه.
(3) التوثيق الحديثي: هذا الموقف العظيم مسجل في أصح دواوين السنة؛ فقد رواه البخاري في “فضائل الصحابة” (ج 4 ص 194) من حديث عائشة رضي الله عنها، والدارقطني (3: 406)، وابن كثير في “البداية والنهاية” (5: 242) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، وهي شهادة عيان من قلب الحدث.