الصحابة المبشّرون بالجنّة (17): عمار بن ياسر رضي الله عنه
هو عمار بن ياسر بن عامر العَنْسي، أبو اليقظان، حليف بني مخزوم. صحابي جليل من السابقين الأولين، شهد بدرا. كان آدم طويلا مضطرب الخَلْق، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين. وكان لا يغيّر شيبه، وقيل: كان أصلع في مقدّم رأسه شعرات.
وكان أبوه ياسر عربيا قحطانيا من عنس بن مذحج، غير أن عمارا صار مولى لبني مخزوم؛ لأن أباه تزوج أَمَة لبعضهم، فولدت له عمارا، فلحقه حكم الولاء بحكم أمه. وأمه سُمَيَّة الشهيدة، وهي وزوجها وابنها من أوائل من اعتنق الإسلام، ومن أشد من نزل به العذاب فيه.
أسلم عمار في دار الأرقم بعد بضع وثلاثين رجلا، وكان معه يومئذ صهيب بن سنان. يقول عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله ﷺ فيها، فقلت: أردت أن أدخل على محمد وأسمع كلامه. فقال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا.
ولما اشتد أذى قريش بآل ياسر، أُكره عمار على كلمة الكفر فقالها، وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] (1). واختُلف في هجرته إلى الحبشة؛ ثم هاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها.
ولما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، استعمل عمارا على الكوفة، وكتب إلى أهلها: «أما بعد، فإني قد بعثت إليكم عمارا أميرا، وعبد الله بن مسعود وزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ، فاسمعوا لهما واقتدوا بهما. وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي إيثارا» (2). ولما عزله عمر، قال له عمار: «والله ما سرّني حين استُعملت، ولقد ساءني حين عُزلت» (3)؛ وفي هذا دليل على زهده في الإمارة، وتقديمه طاعة الإمام على هوى النفس.
ثم كانت وفاته رضي الله عنه في وقعة صفّين، قُتل مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة سبع وثلاثين، وله ثلاث وتسعون سنة (4).
وقد ثبتت البشارة له بالجنة، كما تقدم في ترجمة سلمان الفارسي، وكما يأتي في ترجمة والدته سمية رضي الله عنهم أجمعين.
الهوامش:
(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/249)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/524)، والطبري في تفسيره (11/534).
(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (6/7)، والطبراني في المعجم الكبير (9/86). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/253): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير حارثة وهو ثقة.
(3) تاريخ الطبري (2/544).
(4) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، النووي (1/545)؛ أسد الغابة، ابن الأثير (1/808)؛ تاريخ الإسلام، الذهبي (3/572)؛ الإصابة، ابن حجر (4/575).