الصحابة المبشّرون بالجنّة (18): عمرو بن الجَموح رضي الله عنه
هو عمرو بن الجَموح بن زيد بن حرام السَّلَمي، أبو معاذ الأنصاري. كان سيدا من سادات بني سَلِمة وشريفا من أشرافهم، شهد بيعة العقبة، ويُقال إنه شهد بدرا، وكان آخر الأنصار إسلاما.
كان قد اتخذ في داره صنما من خشب يُقال له “مَناة” يعظّمه ويطهّره، فلما أسلم فتيان بني سلمة ـ وفيهم ابنه معاذ بن عمرو ومعاذ بن جبل ـ صاروا يدخلون عليه الليل بعد ليل فيحملون الصنم فيُلقونه في حفرة فيها قاذورات الناس منكّسا على رأسه. فإذا أصبح عمرو وجده هكذا، فاسترجع وغسله وطيّبه، وقال: “والله لو أعلم مَن يصنع بك هذا لأخزينه”. فلما تتابع عليه ذلك، علّق على عنق الصنم سيفه وقال: “إن كان فيك خير، فامتنع بهذا السيف معك”. فلما أمسى، عدا الفتيان عليه فأخذوا السيف من عنقه، وقرنوه بكلب ميت، وألقوهما جميعا في بئر مهجورة فيها قاذورات. فلما أصبح عمرو فلم يجده، خرج يبتغيه حتى وجده على تلك الحال، فأبصر يومئذ رشده، وكلّمه من أسلم من قومه، فأسلم وحسن إسلامه.
وكان رضي الله عنه أعرج، فلما عزم النبي ﷺ على الخروج إلى أحد، أراد عمرو الخروج معه، فمنعه بنوه شفقة عليه لعرجه، فأتى النبي ﷺ يستأذنه ويقول: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أُقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ فقال: «نعم». فخرج فاستقبل القبلة قبل المسير، ودعا قائلا: “اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردّني إلى أهلي خائبا”. فاستُشهد يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم. فلما مرّ عليه النبي ﷺ بعد القتال قال: «كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة» (1).
ودُفن مع صهره عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر في قبر واحد، وكان زوج هند بنت عمرو، عمة جابر بن عبد الله.
وقد شهد له النبي ﷺ بالسيادة في قومه؛ فعن جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «من سيدكم يا بني سلمة؟» قلنا: الجَدّ بن قيس، على أنا نبخّله. فقال رسول الله ﷺ ـ ومدّ يده ـ: «وأي داء أدوأ من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح». وكان عمرو يولم على رسول الله ﷺ إذا تزوج (2).
وفي ذلك يقول شاعر الأنصار:
وقال رسولُ الله والحقُّ قولُهُ لمن قال منا: من تسمّون سيدا؟ فقالوا له: جدُّ بنُ قيسٍ على التي نبخّلُهُ فيها وإن كان أسودا فسوَّد عمرو بن الجموح لجودِهِ وحقَّ لعمرٍو بالندى أن يُسوَّدا إذا جاءه السؤّالُ أذهبَ مالَهُ وقال: خذوهُ إنه عائدٌ غدا (3)
وقد ثبتت البشارة له بالجنة من حديث أبي قتادة الأنصاري وجابر بن عبد الله، ومن مراسيل جماعة من التابعين.
الهوامش:
(1) أخرجه أحمد في المسند (22553)، وابن شبّة في تاريخ المدينة (1/83)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4984)، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (15/227، ط. أوقاف قطر)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4987).
(3) انظر: معرفة الصحابة، أبو نعيم الأصبهاني (14/155)؛ الاستيعاب، ابن عبد البر (1/362)؛ الإصابة، ابن حجر (4/615).