الصحابة المبشّرون بالجنّة (27) : فاطمة الزهراء رضي الله عنها

هي فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ، البَضْعة النبوية، وأم الحسنين سيّدَي شباب أهل الجنة، أمها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. كانت أصغر بناته ﷺ، وُلدت قبل البعثة بقليل، وكان النبي ﷺ يخصّها بمزيد محبة وإكرام، حتى لُقّبت بـ”أم أبيها”.

تزوّجها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذي القعدة من السنة الثانية للهجرة بعد وقعة بدر، ودخل بها ـ كما قال ابن عبد البر ـ بعد أحد. فولدت له الحسن والحسين ومحسّنا وأم كلثوم وزينب. وقد انقطع عقب رسول الله ﷺ من سائر بناته، ولم يبق له نسل إلا من قبَلها رضي الله عنها.

وكانت رضي الله عنها صابرة ديّنة قانعة، شاكرة لله، تعالج عمل البيت بنفسها من العجن والخبز والطحن، وتعينها على ذلك أمّ زوجها كما طلب علي منها (1). وكانت من أصدق الناس لهجة؛ قالت عائشة رضي الله عنها: “ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة من فاطمة، إلا أن يكون الذي ولدها” (2).

ومن أوضح ما يُذكر في فضلها ما أخبر به النبي ﷺ في آخر حياته؛ فعن عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتَها مشيُ النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «مرحبا بابنتي»، ثم أجلسها عن يمينه ـ أو عن شماله ـ ثم أسرّ إليها حديثا فبكت، ثم أسرّ إليها حديثا فضحكت. فقلت لها: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن. فسألتها فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ﷺ. فلما قُبض النبي ﷺ سألتها، فقالت: أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضه القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضه العام مرتين، «ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أوّل أهل بيتي لحاقا بي»، فبكيت. فقال: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ـ أو نساء المؤمنين ـ» فضحكت لذلك (3).

ولمّا توفي النبي ﷺ، حزنت عليه أشدّ الحزن، وبكته بكاء طويلا، وقالت: “يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. يا أبتاه، أجاب ربا دعاه. يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه”. وقالت لأنس بعد دفنه: “يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تَحْثوا التراب على رسول الله ﷺ؟!” (4).

وبعد وفاة أبيها، جاءت تطلب من أبي بكر الصديق ميراثها منه، فأخبرها بما سمع من النبي ﷺ: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة» (5)، فوجدت عليه في نفسها، ثم تَعلَّلت عنه. وقد روى الشعبي أن أبا بكر لما بلغه ذلك، استأذن في الدخول عليها وهي مريضة، فأخبرها علي، فاستأذنته فأذنت له، فدخل عليها يترضّاها وقال: “والله ما تركتُ الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت”. فلم يزل يترضّاها حتى رضيت (6).

توفيت رضي الله عنها بعد النبي ﷺ بخمسة أشهر أو نحوها، وعاشت أربعا أو خمسا وعشرين سنة على الصحيح، ودُفنت بالبقيع. وقد ثبتت لها البشارة بالجنة من حديث عائشة المتقدم، ومن غيره؛ ومن ذلك ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ فصلّيت معه المغرب، فصلى النبي ﷺ العشاء ثم انفتل، فتبعتُه، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب. فاتّبعته، فسمع صوتي، فقال: «من هذا؟» فقلت: حذيفة. قال: «ما لك؟» فحدّثته بالأمر، فقال: «غفر الله لك ولأمك». ثم قال: «أمَا رأيت العارض الذي عرض لي قُبيلُ؟» قلت: بلى. قال: «فهو مَلَك من الملائكة، لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلّم عليّ، ويبشّرني أن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدةُ نساء أهل الجنة» (7).


الهوامش:

(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8/156).

(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/175) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وانظر: معرفة الصحابة، أبو نعيم (22/196)؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي (2/118)؛ الإصابة، ابن حجر (8/53).

(3) أخرجه البخاري (3623)، ومسلم (2450).

(4) أخرجه البخاري (4193).

(5) أخرجه البخاري (3508).

(6) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6/301) عن الشعبي مرسلا، وقال: مرسل صحيح. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (9/345): إسناده إلى الشعبي صحيح. وعلّق الذهبي على استئذانها زوجها بقوله: عملت بالسنة، فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره.

(7) أخرجه أحمد في المسند (23377)، والترمذي (3781)، والنسائي في السنن الكبرى (8298)، والحاكم في المستدرك (3/164)، من طرق عن ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو عن زر بن حُبيش. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/68): إسناده جيد.

You said: أم زفر الحبشية رضي الله عنها