تعريف الصحابي ومنزلته، ومسلك العلماء في ترتيب طبقاته

اختلف العلماء في حدّ الصحابي وتعريفه على أقوال، أصحّها وأشهرها: أنه من لقي النبي ﷺ يقظة مؤمنا به بعد بعثته في حياته، ومات على الإيمان. وهذا قول سائر المحدثين، وجماعة من الفقهاء، منهم الأئمة أحمد والبخاري وأبو زرعة وابن حزم، ومن صنّف في الصحابة كأبي عمر بن عبد البر وأبي عبد الله بن منده وأبي موسى المديني وابن الأثير والذهبي وابن حجر، وصححه النووي وغيره (1).

والصحابة رضي الله عنهم هم خير الناس بعد الأنبياء، اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه ﷺ، فكانوا خير صحب لخير خلق الله. وهم وإن تفاوتوا فيما بينهم بقِدَم العهد بالإسلام، ودرجة القرب من النبي ﷺ، فإن الله سبحانه قد شملهم جميعا برضوانه، وأثنى عليهم في كتابه، ووعدهم الحسنى؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]، وقال أيضا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10].

وقد درج جماعة من العلماء على تقسيم الصحابة على حسب أسبقيتهم إلى الإسلام، ومن أوائل من سلك هذا المسلك الإمام الحاكم في كتابه “معرفة علوم الحديث”، حيث قسمهم إلى اثنتي عشرة طبقة، هي:

أوّلا: قوم تقدّم إسلامهم بمكة، كالخلفاء الأربعة. ثانيا: أصحاب دار الندوة. ثالثا: مهاجرة الحبشة. رابعا: أصحاب العقبة الأولى. خامسا: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. سادسا: أوّل المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بقُباء قبل أن يدخل المدينة. سابعا: أهل بدر. ثامنا: من هاجر بين بدر والحديبية. تاسعا: أهل بيعة الرضوان في الحديبية. عاشرا: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة. حادي عشر: مسلمة الفتح، الذين أسلموا بعد فتح مكة. ثاني عشر: صبيان وأطفال رأوا النبي ﷺ يوم الفتح، وفي حجة الوداع وغيرهما (2).

وموضوع هذا البحث يتناول التعريف بفئة مخصوصة من فئات الصحابة الكرام، وهم المبشَّرون بالجنة من غير العشرة المنصوص عليهم في الحديث المعروف. ولا ريب أن من جملتهم كوكبة مباركة من أهل بيت النبي ﷺ؛ فسيد أهل البيت بعد رسول الله ﷺ هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد بُشّر بالجنة مع بقية إخوانه من العشرة. ومنهم أمّ بيت النبوة وأمّ المؤمنين، المرأة الكاملة، خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. ومنهم سيدة نساء العالمين، البَضعة الطاهرة، فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ومنهم أمّا المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهما. ومنهم السيّدان الشهيدان الحسن والحسين رضي الله عنهما. ومنهم ابن عمّ النبي ﷺ، الجواد الشجاع الشهيد، جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

فهؤلاء جميعا قد جمعوا بين شرفين عظيمين: شرف القُرب من سيد الخلق ﷺ نسبا أو صهرا، وشرف الصحبة بإيمانهم واتباعهم له. ثم تأتي بعد هؤلاء كوكبة أخرى من الصحابة الذين نالوا شرف البشارة بالجنة من غير أهل البيت، ممن سيأتي ذكرهم في ثنايا هذا البحث.


الهوامش:

(1) ينظر في تعريف الصحابي: تلقيح فهوم أهل الأثر، ابن الجوزي (ص 101)؛ أسد الغابة، ابن الأثير (1/19)؛ إرشاد طلاب الحقائق، النووي (2/586)؛ تهذيب الأسماء واللغات، النووي (1/43)؛ المنهل الروي، ابن جماعة (ص 111)؛ الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر (1/3).

(2) معرفة علوم الحديث، الحاكم النيسابوري (ص 158)، باختصار.