نقد الطعن في الصحابة -رضي الله عنهم- بدعوى تركهم إنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه.
نقد الطعن في الصحابة -رضي الله عنهم- بدعوى تركهم إنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه.
قال الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – تحت عنوان: (الصحابة في سرية أسامة):
«مجمل هذه القصة أنه – صلى الله عليه وسلم – جهز جيشًا لغزو الروم قبل وفاته بيومين، وأمّر على هذه السرية أسامة بن زيد بن حارثة، وعمره ثمانية عشر عامًا، وقد عبأ – صلى الله عليه وسلم – في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار، كأبي بكر وعمر، وأبي عبيدة، وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين…”
والجواب على هذا:
أن ما ادعاه من معارضة الصحابة للرسول – صلى الله عليه وسلم – في تأمير أسامة معارضة صريحة، فمن أظهر الكذب، الذي ترده الأخبار الصحيحة.
فالثابت في هذه الحادثة أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – في مرضه الذي توفي فيه أمر أصحابه بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام، والإغارة على أهل مؤتة، حيث قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، الذين كانوا أمراء الرسول – صلى الله عليه وسلم – على غزوة مؤتة المعروفة، فلما تجهز الصحابة لما أمرهم به رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، جعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – أسامة بن زيد أميرًا عليهم، وقال له: “سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، وأغر صباحًا على أُبْنى، وحرّق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخبر، فإن ظفرك الله بهم فأقل اللبث فيهم” (أُبْنَى: بوزن حُبْلى، موضع بالشام من جهة البلقاء، انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي 1/79).
فتكلم في تأمير أسامة قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فرد عليه عمر، وأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – (انظر: تاريخ الطبري 3/184، وفتح الباري لابن حجر 8/152). فخطب وقال: “إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقًا للإمارة، وإنه كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده” (رواه البخاري في كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة، حديث 4469، وصحيح مسلم، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، حديث 2426).
فظاهر من هذا أن من تكلم في إمارة أسامة كانوا أفرادًا من الصحابة وليس كلهم، وكانوا بذلك مجتهدين في ما قالوا، لأنهم خشوا أن يضعف عن الإمارة لصغر سنه. ومع هذا، فقد أنكر عليهم عمر، وأخبر بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فأخبرهم أنه جدير بالإمارة، فما يُعرف أن أحدًا منهم تكلم فيه بعد ذلك.
فأي لوم على الصحابة – رضي الله عنهم – بقول أفراد منهم، أنكر عليهم بعضهم، ثم نهاهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فانتهوا.
وأما ادعاء هذا الرافضي أنهم تباطؤوا في الخروج مع أسامة حتى مات رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فلم يحصل شيء من ذلك، بل إن الصحابة بادروا بالاستعداد للقتال، وأعدوا العدة لذلك، فقد نقل ابن هشام والطبري عن ابن إسحاق قال: “بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام، وأمره أن يوطئ تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون” (سيرة ابن هشام 4/1499، تاريخ الطبري 3/184).
وفي الطبقات لابن سعد: “وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار، إلا انتدب في تلك الغزوة” (الطبقات الكبرى لابن سعد 2/190).
فكان الصحابة قد تهيؤوا للخروج مع أسامة، وخرج بهم وعسكر بالجرف استعدادًا للانطلاق. لكن الذي حصل بعد ذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – اشتد عليه المرض، فجاءه أسامة وقال: “يا رسول الله، قد أصبحت ضعيفًا، وأرجو أن يكون الله قد عافاك، فأذن لي فأمكث حتى يشفيك الله، فإني إن خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس”، فسكت عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/488).
فكان أسامة هو الذي طلب من النبي – صلى الله عليه وسلم – التأخر في الخروج حتى يطمئن عليه، فأذن له الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ولو أراد أسامة الخروج، ما تأخر عنه أحد ممن كان تحت إمرته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ولا امتنع أحد من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان أسامة هو الذي توقف في الخروج لما خاف أن يموت النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقال: كيف أذهب وأنت هكذا؟ أسأل عنك الركبان؟ فأذن له النبي – صلى الله عليه وسلم – في المقام، ولو عزم على أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلف عنه أحد ممن كان معه، وقد ذهب جميعهم معه بعد موت النبي – صلى الله عليه وسلم -، ولم يتخلف عنه أحد بغير إذنه” (منهاج السنة 6/318-319).
ثم إن أسامة بقي معسكرًا في الجرف ينتظر شفاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا كان يوم الاثنين، أصبح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مفيقًا، فدخل عليه أسامة، فقال له: “أغدُ على بركة الله”، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب، إذ رسول أمه (أم أيمن) قد جاءه يقول: إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يموت، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يموت، فتوفي عليه الصلاة والسلام (الطبقات الكبرى 2/191).
فهذا هو حقيقة ما حصل، ولم يكن تأخر خروج أسامة إلا بطلب منه أذن له فيه النبي – صلى الله عليه وسلم -، على أنه لم يكن بين أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه بالتهيؤ للغزو ووفاته إلا ستة عشر يومًا، فقد كان ندب أصحابه لذلك يوم الإثنين لأربع ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة، وعيّن أسامة أميرًا على الجيش في اليوم الثاني، فلما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله – صلى الله عليه وسلم – المرض، فما زال مريضًا حتى توفاه الله يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 2/189-191).
ومعلوم أن هذه المدة ليست طويلة لتجهيز جيش في مثل ذلك الوقت، وعلى أن الصحابة كانوا قد استعدوا وتهيؤوا للخروج قبل هذه المدة بكثير، لولا استئذان أسامة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تأخير الخروج. فقد ثبت أن أسامة قد خرج بالجيش وعسكر في الجُرُف يوم الخميس، أي بعد ثلاثة أيام من أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالتهيؤ للقتال (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد، الموضع نفسه).
وبهذا تبطل دعوى الرافضي في تثاقل الصحابة عن الخروج، بل إن هذا يدل على سرعة امتثالهم – رضي الله عنهم – لأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وذلك بتجهيزهم جيشًا كهذا، قيل إن قوامه ثلاثة آلاف مقاتل (انظر: كتاب المغازي للواقدي 3/1122، وفتح الباري 8/152)، بكل ما يحتاج إليه من مؤونة وعتاد في خلال ثلاثة أيام، على ما هم فيه من فاقة وفقر وحاجة. فرضي الله عنهم جميعًا، وجزاهم على جهادهم، وحسن بلائهم في الإسلام، خير ما جازى به المحسنين.
وأما زعمه أن أبا بكر وعمر كانا في جيش أسامة بتعيين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم تثاقلا عن الخروج معه، فجوابه: أنه لم يثبت أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – أمر أبا بكر وعمر أن يلتحقا بجيش أسامة، بل ولا أمر غيرهما بذلك. إذ لم يكن من عادته – صلى الله عليه وسلم – إذا أراد أن يجهز سرية أو غزوة أن يعيّن من يخرج فيها بأسمائهم، وإنما كان يندب أصحابه لذلك ندبًا عامًا، ثم إذا اجتمع عنده من يقوم بهم الغرض عيّن لهم أميرًا منهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: “إن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم تكن من عادته في سراياه، بل ولا في مغازيه، أن يعيّن كل من يخرج معه في الغزو بأسمائهم، ولكن يندب الناس ندبًا عامًا مطلقًا… فلما أمّر أسامة بن زيد بعد مقتل أبيه، فأرسله إلى ناحية العدو الذين قتلوا أباه لما رآه في ذلك من المصلحة، ندب الناس معه فانتدب معه من رغب في الغزو، وروي أن عمر كان ممن انتدب معه، لا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – عيّن عمر ولا غيره” (منهاج السنة 4/277-279).
فالنبي – صلى الله عليه وسلم – لم يعين أحدًا باسمه للالتحاق بجيش أسامة، وإنما دعا أصحابه إلى ذلك، فالتحق بالجيش كبار المهاجرين والأنصار، وكان من بينهم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كما نص على ذلك المؤرخون (انظر: المغازي للواقدي 3/1118، الطبقات الكبرى لابن سعد 2/190، تاريخ الطبري 3/226، البداية والنهاية 6/308، سير أعلام النبلاء 2/497).
وثبت أنه ممن خرج في معسكر أسامة بالجُرُف، ثم عاد للمدينة مع أسامة لما بلغه احتضار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد، ص300 من هذا الكتاب).
ثم إن عمر – رضي الله عنه – بقي مكتتبًا في جيش أسامة، فلما استخلف أبو بكر وأمر بمسير الجيش، استأذن أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر بالبقاء معه لحاجته إليه. قال الواقدي: “ومشى أبو بكر – رضي الله عنه – إلى أسامة في بيته، وكلمه أن يترك عمر، ففعل أسامة، وجعل يقول له: أذِنتَ ونفسك طيبة؟ فقال أسامة: نعم” (المغازي للواقدي 3/1121-1122).
وذكر الطبري أن أبا بكر قال لأسامة لما شيّعه في خروجه بالجيش: “إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل”، فأذن له (تاريخ الطبري 3/226).
وقد نص على هذا غير واحد من المؤرخين والمحققين (انظر: الطبقات الكبرى 2/191، البداية والنهاية 6/309، منهاج السنة 5/448 و6/319).
فثبت بهذا أن التحاق عمر بجيش أسامة كان برغبته واختياره، وأن خروجه منه كان بطلب الخليفة وإذن الأمير، فأيّ لوم على عمر – رضي الله عنه – في ذلك؟
وأما أبو بكر، فالذي عليه أكثر المؤرخين: أنه لم يكن في جيش أسامة أصلاً، فإنهم سمّوا من التحق بجيش أسامة من كبار الصحابة ولم يذكروا فيهم أبا بكر.
قال الواقدي ضمن حديثه عن غزوة أسامة: “فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل…” (المغازي 3/1118).
وقال الطبري: “ضرب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمر عليهم أسامة بن زيد” (تاريخ الطبري 3/226).
وقال الذهبي ضمن ترجمة أسامة: “استعمله النبي – صلى الله عليه وسلم – على جيش لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار” (سير أعلام النبلاء 2/497).
فلم يذكر هؤلاء المؤرخون أبا بكر في جيش أسامة، وذكروا بعض كبار الصحابة كعمر، وأبي عبيدة، وسعد وغيرهم، ولو كان أبو بكر في الجيش لكان ذكره أولى وأشهر.
وإنما عدّ أبا بكر في جيش أسامة: ابن سعد، حيث قال: “فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار، إلا انتدب في تلك الغزوة، فيهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة…” (الطبقات الكبرى 2/190).
وإلى هذا ذهب ابن حجر في الفتح (فتح الباري 8/152).
وقال ابن كثير في سياق الموضوع: “وكان بينهم عمر بن الخطاب، ويقال: أبو بكر، فاستثناه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للصلاة” (البداية والنهاية 6/308).
وقد جزم شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة، ونقل اتفاق أهل العلم على ذلك، فقال:
“وأبو بكر – رضي الله عنه – لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن رُوي أن عمر كان فيهم، وكان عمر خارجًا مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه، فأذن له” (منهاج السنة 6/319).