نقد مزاعم الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – دعواه اجتهادهم في مقابل النصوص.

نقد مزاعم الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – دعواه اجتهادهم في مقابل النصوص.

قال الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – :
«وكان عمر يجتهد ويتأوّل مقابل النصوص الصريحة من السنن النبوية، بل في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الحكيم، فيحكم برأيه، كقوله: (متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما).
ويقول لمن أجنب ولم يجد ماءً: “لا تصلِّ”، رغم قول الله تعالى في سورة المائدة: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا}».

الرد:
أقول: إن الطعن في عمر رضي الله عنه بسبب نهيه عن المتعتين هو من المطاعن القديمة التي تصدى لها العلماء، وردوا عليها بما يُسقط هذه الشبهة ويفضح زيف دعواهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة، ردًّا على ابن المطهر في هذه المسألة:
«وإن قدحوا في عمر لكونه نهى عنها، فأبو ذر كان أعظم نهيًا عنها من عمر، وكان يقول: إن المتعة كانت خاصة بأصحاب رسول الله ﷺ»【1】.
وهم – أي الرافضة – يتولون أبا ذر ويعظمونه، فإن كان الخطأ في هذه المسألة موجبًا للطعن، فالطعن أولى أن يكون في أبي ذر، وإلا فكيف يطعنون في عمر ويُعظّمون أبا ذر، مع أن عمر أفضل وأفقه وأعلم منه؟!
ثم يُقال: إن عمر رضي الله عنه لم يُحرّم متعة الحج، بل ثبت أنه قال للضُّبي بن معبد حين قال: «أحرمت بالحج والعمرة جميعًا»، فقال له عمر:
«هُديت لسنة نبيك ﷺ»【2】.
وكان عبد الله بن عمر يأمر الناس بالمتعة، فإذا قالوا له: إن أباك نهى عنها، قال:
«أفرسول الله ﷺ أحق أن يُتبع أم عمر؟».
وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال:
«لو حججت لتمتعت».
فمراد عمر بنهيه عن متعة الحج، كان على وجه اختيار الأفضل، لا على وجه التحريم. والناس – حينها – تركوا الاعتمار في غير أشهر الحج، فخشي أن يُهجر البيت، فأراد أن يحمل الناس على الاعتمار طوال السنة.
وقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن الاعتمار في غير أشهر الحج مع إفراد الحج أفضل من التمتع، لذا كان نهي عمر نهيًا إداريًا مبنيًا على مصلحة معتبرة، لا نهيًا تشريعيًا.
ثم إن بعض الفقهاء قالوا: إن نهي عمر كان عن الفسخ، والفسخ حرام عند جمهور العلماء، وهو محل اجتهاد. فالفسخ يحرمه أبو حنيفة ومالك والشافعي، بينما يستحبه أو يوجبه بعض فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل، وغيرهم، ولا يأخذون بقول عمر في هذه المسألة، بل بقول علي، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
أما ما ذكره الطاعن عن متعة النساء:
فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال.
روى الثقات في الصحيحين عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما، عن علي رضي الله عنه، أنه قال لابن عباس حين أباح المتعة:
«إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر»【3】.
رواه عن الزهري كبار أئمة الإسلام، كمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، وهو حديث صحيح متلقى بالقبول، لم يُطعن فيه أحد من أهل العلم.
وقد ثبت كذلك في صحيح مسلم أن النبي ﷺ حرم المتعة يوم الفتح، إلى يوم القيامة【4】.
وقد اختلف العلماء في توقيت التحريم؛ فقيل: حُرّمت يوم خيبر، ثم أُبيحت، ثم حُرّمت، وقيل: أُبيحت في الأوطاس، ثم حُرّمت في حجة الوداع.
لكن الروايات الصحيحة المتواترة تدل على أن المتعة إنما حُرّمت يوم فتح مكة، ولم تُحل بعد ذلك. أما عام خيبر، فقد كان تحريم لحوم الحمر الأهلية، لا المتعة.
وكان ابن عباس رضي الله عنه يبيح المتعة، ثم رجع عنها لما بلغه حديث النهي.
فأهل السنة اتبعوا عليًا وغيره من الصحابة فيما رووه عن النبي ﷺ، أما الشيعة فقد خالفوا عليًا رضي الله عنه واتبعوا من خالفه.
ما ذكره الدهلوي في الرد على الرافضة:
قال الدهلوي رحمه الله في التحفة الإثني عشرية:
«ومن مطاعنهم: أن عمر منع الناس من متعة النساء ومتعة الحج، فحرّم ما أحله الله.
والجواب: أن الصحيح الثابت في صحيح مسلم وغيره من الصحاح: أن النبي ﷺ هو من حرّم متعة النساء بعد أن أحلها، وجعل تحريمها مؤبدًا إلى يوم القيامة»【5】.
وأما متعة الحج، فإن عمر لم يمنعها، ولم يحرّمها، بل كان يرى أن الإفراد أفضل من القران والتمتع، وهو مذهب الإمام الشافعي، والثوري، وابن راهويه، وغيرهم، مستدلين بقوله تعالى:
{وأتموا الحج والعمرة لله}، إلى قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج…}【البقرة: 196】.
فأوجب الله الهدي على المتمتع دون المفرد، جبرًا لما فيه من النقصان.
كما أن النبي ﷺ حج حجة الوداع مفردًا، واعتمر قبلها ثلاث عمرات مفردة، مما يدل على فضل الإفراد عند بعض العلماء.
وأما قول عمر: «وأنا أنهى عنهما»، فالمقصود به النهي الإداري، وليس التشريعي، أي أنه رأى من المصلحة إظهار تحريمها وإعلانه حين كثر ارتكاب الناس لها وجهلهم بحكمها، فهدد من يفعلهما ليحملهم على الالتزام بالحكم الشرعي الثابت عن رسول الله ﷺ.

وعليه: فنهي عمر عن متعة النساء موافق لحديث النبي ﷺ الثابت في الصحيحين بتحريمها يوم الفتح.
نهيه عن متعة الحج لم يكن تحريمًا، وإنما ترجيحًا لما رآه الأفضل من النسكين.
فعل عمر كان مبنيًا على الاجتهاد، والاجتهاد لا يُعاب، بل صاحبه معذور مأجور سواء أصاب أو أخطأ، لقول النبي ﷺ:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»【صحيح البخاري ومسلم】.
ما نقله الرافضي من آية التيمم أخطأ فيه، فإن الآية الصحيحة هي:
{فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا} [المائدة: 6]، وليس كما ذكرها.
وبهذا يظهر زيف دعوى الرافضة في طعنهم بعمر رضي الله عنه، ويتبين أن مواقفه كانت مبنية على النصوص أو الاجتهاد المشروع، وكلها لا تُوجب عليه طعنًا ولا قدحًا، بل تدل على فقهه وعدله ورعايته لمصالح الأمة.

الهوامش:
صحيح البخاري: حديث رقم 5115، (كتاب النكاح، باب نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا)، وصحيح مسلم: حديث رقم 1407، (كتاب النكاح، باب نكاح المتعة). وفيه قول علي رضي الله عنه لابن عباس: «إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ حرّم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر».
منهاج السنة النبوية لابن تيمية، 4/184–191، تحقيق محمد رشاد سالم، ط. مجمع الملك فهد، وفيه الرد التفصيلي على الرافضة في مسألة المتعتين، وبيان أن أبا ذر شدد أكثر من عمر في النهي.
السنن الكبرى للنسائي: 5/113–114، (كتاب مناسك الحج، باب القِران)، من حديث الضُّبي بن معبد، وفيه قول عمر: «هُديت لسنة نبيك ﷺ».
صحيح مسلم: حديث رقم 1406، من حديث سبرة الجهني رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم الفتح، ونهى عنها إلى يوم القيامة».
التحفة الإثني عشرية لعبد العزيز الدهلوي، اختصار محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، ص 256–258، وفيه تفنيد مطاعن الرافضة على عمر رضي الله عنه، وبيان أن تحريم المتعة كان من النبي ﷺ لا من عمر.
سورة البقرة، آية 196: {وأتموا الحج والعمرة لله… فمن تمتع بالعمرة إلى الحج…}.
صحيح البخاري: حديث رقم 7352، (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ).
صحيح مسلم: حديث رقم 1716، (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد).
سورة المائدة، آية 6: {فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا}.