نقد دعوى أن الصحابة رضي الله عنهم لم يمتثلوا أمر النبي ﷺ بكتابة الكتاب في مرض موته.
نقد دعوى أن الصحابة رضي الله عنهم لم يمتثلوا أمر النبي ﷺ بكتابة الكتاب الذي أمر به في مرض موته.
يقول الطاعن في الصحابة رضي الله عنهم : تحت عنوان: (الصحابة ورزية الخميس): «ومجمل القصة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله ﷺ قبل وفاته بثلاثة أيام، فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة، ليكتب لهم كتابًا يعصمهم من الضلالة. ولكن الصحابة اختلفوا، ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر، فغضب رسول الله ﷺ وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئًا».
الرد:
أولًا: هذه الشبهة ليست جديدة، ، وتُعدّ من أشهر مطاعنهم على الصحابة. وهي مبنية على حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه:
(لما حضر رسول الله ﷺ، وفي البيت رجال، قال: هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا… فقال رسول الله ﷺ: قوموا)
(رواه البخاري: كتاب المغازي، ح4432؛ مسلم: كتاب الوصية، ح1637).
1. هل خالف الصحابة أمر النبي ﷺ؟
الجواب: لا. ما وقع من الصحابة كان اختلافًا في فهم مراده، لا عصيانًا لأمره، وشفقة عليه من مرضه وتعبه أن يشق على نفسه صلى الله عليه وسلم
قال القرطبي:
“وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور”
(المفهم 4/559).
وقال النبي ﷺ:
(دعوني، فالذي أنا فيه خير)،
ولم يعنّف أحدًا منهم، كما لم يعنّف من اختلفوا في حديث: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (تقدّم تخريجه). ففهم البعض الأمر على ظاهره، وأدّى الصلاة في الطريق، وفهم آخرون المراد وأجلوها حتى بني قريظة، فلم يعنّف أحدًا.
قال المازري رحمه الله:
“إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره ﷺ لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها عن الوجوب… فكأنهم فهموا أنه ليس أمرًا جازمًا، فاجتهدوا. وعزمه ﷺ على الكتابة إن كان بوحي فتركه بالوحي، وإن كان بالاجتهاد فتركه بالاجتهاد”
(نقله ابن حجر في فتح الباري 8/134؛ ونقله النووي أيضًا في شرح مسلم 11/92).
2. هل في ذلك مطعن على الصحابة؟
الجواب: لا مطعن فيه أبدًا، فقد:
اختلف الصحابة اجتهادًا.
لم يُعنّفهم النبي ﷺ.
لم يكتب الكتاب بعدها، رغم أنه عاش بعد الحادثة أيامًا، مما يدل على أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة ولا شرطًا لهداية الأمة.
3. الرد على زعم أن الصحابة حرموا الأمة من العصمة
القول بأن الصحابة حرموا الأمة من العصمة باطل شرعًا وعقلًا، وسبق الرد على هذه الشبهة تفصيلاً (انظر: ص 227 وما بعدها).
4. هل قول ابن عباس حجة؟
قول ابن عباس: (إن الرزية كل الرزية…) ليس حجة على الصحابة، بل هو رأي اجتهادي منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
“هو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، أما من علم صحتها فلا رزية له ولله الحمد”
(منهاج السنة 6/25).
وأشار إلى أن ابن عباس قال ذلك بعد ظهور الفرق وأهل الأهواء (منهاج السنة 6/316).
كما أيد ابن حجر هذا التفسير (فتح الباري 1/209، 8/134).
والأهم: أن هذا القول معارض باجتهاد عمر رضي الله عنه، وهو أفقه من ابن عباس كما نص العلماء، بل معارض لعدد من الصحابة ممن قالوا: (حسبنا كتاب الله).
5. لماذا لم يكتب النبي ﷺ الكتاب لاحقًا؟
النبي ﷺ عاش بعد الحادثة عدة أيام، فلو أراد أن يكتب، لكتب، ولكن تركه ذلك، دليل أنه لم يكن واجبًا، ولا فيه عصمة الأمة كما يزعم الرافضي.
قال الله تعالى:
{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} (المائدة: 3).
وعليه: فما حدث يوم “رزية الخميس” ليس فيه عصيان ولا مخالفة، والصحابة كانوا مجتهدين مأجورين، ولم يُذَموا من الله ولا من رسوله، وترك النبي ﷺ الكتاب لاحقًا يدل أنه ليس من أصول الدين ولا من ضروراته.