نقد مزاعم الطاعن في الصحابة إتمام عثمان -رضي الله عنه- للصلاة في منى.
نقد مزاعم الطاعن في الصحابة إتمام عثمان -رضي الله عنه- للصلاة في منى.
دعواهم: إن أول من غيّر سنة النبي ﷺ هو عثمان وعائشة رضي الله عنهما، مشيرًا إلى إتمام عثمان رضي الله عنه الصلاة في منى، وأن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر
فجوابه كما يلي:
إن عثمان وعائشة رضي الله عنهما كانا مجتهدين، وقد اختلف العلماء في توجيه اجتهادهما، وذكروا في ذلك وجوهًا كثيرة.
لكن الذي صحّحه أكثر المحققين وقطعوا به، أنهما كانا يريان جواز القصر والإتمام، فاختارا أحد الجائزين.
قال النووي:
«اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون: أنهما رأيا القصر جائزًا والإتمام جائزًا، فأخذا بأحد الجائزين، وهو الإتمام»【3】.
وقال القرطبي:
«اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد أو بعيد»【4】.
وهذا الذي ذكره القرطبي يدل على أن سبب إتمامهما للصلاة كان ترجيحًا للإتمام على القصر باعتبار أن القصر رخصة، والإتمام عزيمة.
أما النووي فيُفهم من كلامه أن الأمرين سواء، وأنهما أخذا بأحد الجائزين.
وقد فرّق بعض المحققين بين سبب إتمام عثمان وإتمام عائشة رضي الله عنهما، كما ذهب إلى ذلك الحافظ ابن حجر، حيث قال عند شرحه لقول: “إن عائشة تأوّلت كما تأوّل عثمان”:
«التشبيه بعثمان في الإتمام من حيث التأويل، لا من حيث اتحاد التأويل، ويؤيد ذلك اختلاف الأسباب في تأويل عثمان، بخلاف تأويل عائشة»【1】.
ثم قال:
«والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائراً، وأما من أقام بمكة في أثناء سفره فله حكم المقيم فيُتم.
والحجة في ذلك ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: لما قدم علينا معاوية حاجًا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عِبتَ أمر ابن عمك، لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة»【2】.
ويُفهم من ذلك أن لعثمان رضي الله عنه اجتهاده المستقل في هذه المسألة.
وقد ذكر ابن حجر هذا القول ثم أتبعه بالقول الذي ذكره القرطبي، وعزاه إلى ابن بطال، ثم قال:
«وهذا رجّحه جماعة، آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب»【3】.
أما سبب اجتهاد عائشة رضي الله عنها، فيقول ابن حجر:
«وأما عائشة، فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي، إنه لا يشق عليّ»【1】.
وإسناده صحيح، ويدل على أنها رأت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، وهذا يتفق مع قول القرطبي المتقدم.
وذكر بعض العلماء المحققين وجهًا آخر في سبب إتمام عثمان رضي الله عنه، وهو أنه بلغه أن قومًا من الأعراب، ممن شهدوا معه الصلاة بمنى في الأعوام الماضية، رجعوا إلى أقوامهم وقالوا: إن الصلاة ركعتان، كما صلّاها أمير المؤمنين، فأراد أن يعلمهم أنها أربع.
قال أبو نعيم في كتاب الإمامة:
«وإن الذي حمل عثمان رضي الله عنه على الإتمام، أنه بلغه أن قومًا من الأعراب ممن شهدوا معه الصلاة بمنى، رجعوا إلى قومهم فقالوا: الصلاة ركعتان، كذلك صليناها مع أمير المؤمنين عثمان، فلأجل ذلك صلى أربعًا، ليعلمهم ما يُستنّ به، ويدفع عنهم الخلاف والاشتباه»【2】.
وقال ابن العربي في العواصم:
«وأما ترك القصر، فاجتهاد؛ إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوه في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدّت إلى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة، خوف الذريعة.
ومع ذلك، فإن جماعة من العلماء قالوا: إن المسافر مخيّر بين القصر والإتمام»【3】.
ويؤيد ذلك أن عثمان رضي الله عنه بقي سبع سنين من خلافته يقصر الصلاة بمنى، ثم أتمّ بعد ذلك، مما يدل على أنه لم يفعل ذلك إلا لأمر طرأ.
وقد روى ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين أنه قال:
«حججت مع عثمان سبع سنين من إمارته، لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعًا»【1】.
وعلى كل حال، فإن كلاً من عثمان وعائشة رضي الله عنهما كانا مجتهدين، أياً كان سبب اجتهادهما، وقد أصابا أو أخطآ، فهما مأجوران غير مأزورين.
بعض الأوجه المؤكدة لبراءتهما:
الوجه الأول:
أنهما مجتهدان، والمجتهد معذور بل مأجور، كما قال النبي ﷺ:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»【2】.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«لا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة»【3】.
وقال أيضًا:
«هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري، وداود بن علي، وغيرهم، لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا لا في مسائل أصولية ولا فرعية»【1】.
الوجه الثاني:
أن القول بإتمام الصلاة في السفر لم ينفرد به عثمان وعائشة رضي الله عنهما، بل قال به جمع من الصحابة.
قال أبو نعيم:
«وقد رأى جماعة من الصحابة إتمام الصلاة في السفر، منهم: عائشة، وعثمان، وسلمان، وأربعة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ»【2】.
قلت: وسلمان الفارسي رضي الله عنه ممن تعتقد الرافضة عدالته، كما في الكافي، حيث نسبوا إلى الباقر قوله (وهو منه بريء):
«كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة: المقداد، وأبو ذر، وسلمان»【3】.
فإذا كان سلمان معذورًا في اجتهاده، فكذلك عثمان وعائشة رضي الله عنهما.
الوجه الثالث:
أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يعيب بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد، ومنها القصر والإتمام، كما روى ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن حصين، عن أبي نجيح المكي، قال:
«اصطحب أصحاب رسول الله ﷺ في السفر، فكان بعضهم يتم، وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء»【4】.
________________________________________
الهوامش:
1. فتح الباري لابن حجر: 2/571، في شرحه لقول الزهري: «إن عائشة تأولت كما تأول عثمان»، وقد فرّق بين تأويليهما، وذكر أن تأويل عثمان له أسباب متعدّدة، بخلاف تأويل عائشة.
2. المسند للإمام أحمد: 4/94، من حديث عباد بن عبد الله بن الزبير، وفيه قصة صلاة معاوية وعثمان بمكة، وسبب إتمام عثمان، وقد صحح إسناده جماعة من أهل العلم.
3. فتح الباري لابن حجر: 2/571، في تعقيبه على ما رواه أحمد، وذكر أنه أرجح من القول المنسوب للقرطبي؛ لتصريح الراوي بالسبب.
4. شرح صحيح مسلم للنووي: 5/195، في شرحه لحديث إتمام عثمان وعائشة الصلاة في السفر، وقد بيّن أن الصحيح عند المحققين أن القصر والإتمام جائزان، وأنهما أخذا بأحد الجائزين.
5. المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم للقرطبي: 2/327، وفيه تفضيل القرطبي لرأي أن القصر رخصة غير واجبة، وأن عثمان وعائشة اختارا الأكمل وهو الإتمام.
6. الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصبهاني: ص312، وهو من أقدم المصادر في الرد على الرافضة، وفيه ذكر سبب إتمام عثمان للصلاة بمِنى لإزالة الاشتباه عند الأعراب.
7. العواصم من القواصم لابن العربي: ص90، وهو كتاب في الدفاع عن الصحابة، وفيه تعليل اجتهاد عثمان بأنه خشي من استغلال الرخصة بما يؤدي إلى التهاون بالفريضة.
8. المصنف لابن أبي شيبة: 2/207، من حديث عمران بن حصين، وفيه أن عثمان كان يقصر الصلاة سبع سنين من خلافته ثم أتم.
9. صحيح البخاري: حديث 7352، (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ)، وصحيح مسلم: حديث 1716، (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد).
10. مجموع الفتاوى لابن تيمية: 20/165، وفيه بيان أن الخطأ مغفور في المسائل العلمية الاجتهادية، وأن الأمة لا تزال تقع في مثل ذلك.
11. مجموع الفتاوى لابن تيمية: 19/207، في الرد على من يكفّر أو يفسّق المجتهدين المخطئين في الأصول والفروع، وبيان أن السلف لم يكونوا كذلك.
12. روضة الكافي للكليني (وهو من كتب الرافضة المعتمدة): 8/245، ونسب فيه زورًا إلى الباقر أن الناس ارتدوا بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة: المقداد، وأبو ذر، وسلمان – وهو مما يكشف التناقض في قبولهم لرأي سلمان في المتعة.
13. المصنف لابن أبي شيبة: 2/208، من طريق عبد الرحمن بن حصين، عن أبي نجيح المكي، في وصف اختلاف الصحابة في السفر دون تبديع أو تفسيق.