موقف علي بن الحسين رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
يمثل موقف علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه شاهدًا مهمًا على طبيعة العلاقة العلمية بين آل البيت والصحابة، وعلى مكانة حديث أبي هريرة عند كبار آل البيت ومقدّميهم في عصرهم. فهذا الأثر لا يقتصر على مجرد النقل، بل يتجاوز ذلك إلى التطبيق العملي للحديث النبوي، تصديقًا له، وإقرارًا بفضله، وأخذًا بما دلّ عليه من الأجر العظيم.
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسنده عن سعيد بن مرجانة، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ: «من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج». قال: فقال علي بن الحسين رضي الله عنه: «أأنت سمعت هذا من أبي هريرة؟» فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له، أفره غلمانه: «ادعُ لي مطرفًا». قال: فلما قام بين يديه قال له: «اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله عز وجل» [مسند أحمد (15/260)]
ويكشف هذا الموقف عن عدة معانٍ جليلة؛ أولها أن علي بن الحسين رضي الله عنه تلقّى حديث أبي هريرة بالقبول، ولم يتعامل معه بوصفه خبرًا نظريًا فحسب، بل بادر إلى تصديقه بالفعل، فأعتق غلامًا من خيار غلمانه امتثالًا لما بلغه من فضل العتق الوارد في الحديث. وهذا التطبيق العملي يُعدّ من أقوى صور التصديق بالحديث النبوي، إذ يدل على الثقة بالراوي، والإيمان بمضمون الخبر، والعمل بمقتضاه.
كما يبرز هذا الأثر موقف كبير آل البيت ومقدمهم في زمانه من أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه، حيث لم يظهر منه تردد أو تشكك، بل سأل للتحقق من السماع، ثم بنى عليه عملًا صالحًا عظيمًا. وفي ذلك دلالة واضحة على أن آل البيت كانوا يأخذون العلم عن الصحابة رضي الله عنهم، سواء كان ذلك عن آبائهم أو عن غيرهم، ولم يكونوا يحصرون التلقي في دائرة العترة فقط، بل كانوا يتلقون السنة من حملتها الأمناء من أصحاب رسول الله ﷺ.
وتؤكد هذه الروايات أن العلاقة بين أبي هريرة رضي الله عنه وآل البيت رضي الله عنهم كانت علاقة علمية قائمة على الثقة والتلقي والعمل، وأن كبار آل البيت لم يروا في رواية أبي هريرة ما يوجب ردّها أو التوقف فيها، بل قبلوها، ورووها، وطبقوها، وهو ما يمثل شاهدًا تاريخيًا وعلميًا مهمًا في بيان وحدة مصدر السنة، وتكامل جهود الصحابة وآل البيت في حفظها ونقلها.