شهادة أبي هريرة بسيادة الحسن بن علي رضي الله عنهما وقوله: ((إنّه سيّد)).

يمثل قول أبي هريرة رضي الله عنه في الحسن بن علي رضي الله عنهما: «إنه سيد» شاهدًا بالغ الدلالة على ما كان يحمله من توقير وتعظيم لآل بيت النبي ﷺ، كما يكشف عن استناده في هذا التوقير إلى النص النبوي، لا إلى مجرد الرأي أو العاطفة. فهذه الشهادة لم تصدر في مقام مديح عابر، وإنما جاءت مقرونة باحتجاج صريح بقول رسول الله ﷺ، مما يضفي عليها قيمة علمية وتاريخية واضحة.

فقد روى سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: «كنا مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي رضي الله عنهما فسلم، فرد عليه القوم ومضى، ومعنا أبو هريرة لا يعلم، فقيل له: هذا حسن بن علي يسلم، فلحقه فقال: وعليك يا سيدي». فقيل له: تقول يا سيدي؟ فقال: «أشهد أن رسول الله ﷺ قال: إنه سيد»( 1). وقد أخرج هذه الرواية الطبراني، ورجاله ثقات، كما وردت بنحوها في مجمع الزوائد.

وتكشف هذه الرواية عن موقف عملي لأبي هريرة رضي الله عنه، حيث بادر إلى مناداة الحسن رضي الله عنه بلقب «السيد» فور علمه بهويته، دون تكلّف أو تردد، ثم لما استُنكر عليه هذا الوصف، لم يكتفِ بتبريره من عند نفسه، بل احتج مباشرة بسماعه من رسول الله ﷺ، مؤكدًا أن هذا الوصف ليس من باب المجاملة، وإنما هو حكم نبوي ثابت.

وقد أخرج الحاكم هذه الرواية في المستدرك على الصحيحين بسندٍ صحيح، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: «كنا مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي بن أبي طالب علينا، فسلم فرددنا عليه السلام ولم يعلم به أبو هريرة، فقلنا له: يا أبا هريرة، هذا الحسن بن علي قد سلم علينا، فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيدي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيد». ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه(2 ).

وتدل هذه الرواية على جملة من المعاني المهمة؛ أولها أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يرى في الحسن بن علي رضي الله عنهما ما رآه فيه رسول الله ﷺ من السيادة، وهي سيادة خُلُقية ودينية، لا مجرد شرف نسب. وثانيها أن الصحابة كانوا يتعاملون مع آل البيت في ضوء ما ثبت عندهم من السنة، فيرفعونهم بما رفعهم الله ورسوله، لا بما تمليه الأهواء أو الأعراف. كما يظهر من هذه الرواية أن أبا هريرة لم يكن يتحرج من إظهار هذا التوقير علنًا، ولا من التصريح بمصدره النبوي عند السؤال أو الاعتراض.

وتؤكد هذه الشهادة أن علاقة أبي هريرة رضي الله عنه بالحسن بن علي رضي الله عنهما كانت قائمة على المعرفة بفضله، والإقرار بمكانته، والالتزام بما ورد فيه من النصوص النبوية، وهو ما ينسجم مع سائر مواقفه ورواياته في مناقب آل البيت، ويعزز الصورة المتكاملة لعلاقته بهم، بوصفه راوياً أمينًا، ومحبًا صادقًا، ومتعاملًا معهم على أساس من السنة والعدل.

المراجع:

(1) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9/178.
(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3/185، رقم (4792)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.