موقف أبي هريرة رضي الله عنه يوم وفاة الحسن بن علي رضي الله عنهما وحرصه على درء الفتنة
يبرز موقف أبي هريرة رضي الله عنه يوم وفاة الحسن بن علي رضي الله عنهما مثالًا واضحًا على فقهه، وحكمته، وحرصه على وحدة المسلمين، مع ما كان يحمله من محبة صادقة لآل بيت النبي ﷺ وتعظيم لمكانتهم. ففي هذا الموقف اجتمعت النصيحة، والشفقة، والاحتجاج بالسنة، في ظرف دقيق كان من شأنه أن يفتح باب فتنة لو لم يُحسن التعامل معه.
فقد أخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن أبي حازم قال: لما حضر الحسن رضي الله عنه قال للحسين رضي الله عنه: «ادفنوني عند أبي، يعني النبي ﷺ، إلا أن تخافوا الدماء، فإن خفتم الدماء فلا تهريقوا في دمي، ادفنوني عند مقابر المسلمين». قال: فلما قبض تسلح الحسين وجميع مواليه، فقال له أبو هريرة رضي الله عنه: «أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دمًا». قال: فلم يزل به حتى رجع، قال: ثم دفنوه في بقيع الغرقد. ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه محتجًا على من منع الدفن: «أرأيتم لو جيء بابن موسى ليدفن مع أبيه فمنع، أكانوا قد ظلموه؟» قالوا: نعم. قال: «فهذا ابن نبي الله قد جيء به ليدفن مع أبيه»( ).
وتكشف هذه الرواية عن موقف متزن لأبي هريرة رضي الله عنه، إذ جمع بين التذكير بوصية الحسن رضي الله عنه نفسه، التي قدّمت درء الدماء على تحقيق الرغبة، وبين النصح الصريح للحسين رضي الله عنه، محذرًا إياه من أن يؤدي الإصرار على الدفن عند النبي ﷺ إلى وقوع قتال بين المسلمين. كما يظهر من إلحاحه في النصيحة أنه كان يستشعر خطورة الموقف، فكان همه الأول حفظ الدماء ومنع الفتنة، دون أن ينتقص ذلك من حق الحسن رضي الله عنه أو منزلته.
ويؤكد هذا المعنى ما رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه بسنده عن أبي حازم قال: «شهدت حسينا حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدم، فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد أمير على المدينة يومئذ». قال: فلما صلوا عليه قام أبو هريرة رضي الله عنه فقال: «أتنفسون على ابن نبيكم ﷺ تربة يدفنونه فيها؟» ثم قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني»( ).
وتبرز هذه الرواية أن أبا هريرة رضي الله عنه، مع حرصه على منع الفتنة، لم يتخلّ عن الدفاع عن حق الحسن رضي الله عنه، ولا عن التذكير بمكانته عند رسول الله ﷺ، فاحتج بالسنة النبوية، وذكّر الناس بمحبة النبي ﷺ للحسن والحسين رضي الله عنهما، وبأن هذه المحبة معيار للولاء له ﷺ. وهكذا جمع أبو هريرة في موقفه بين الحكمة في الفعل، والجرأة في القول، والوفاء لآل بيت النبي ﷺ.
وتدل هذه المواقف مجتمعة على أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن مجرد راوٍ لفضائل آل البيت، بل كان ناصحًا لهم، ومدافعًا عن حقوقهم، وحريصًا في الوقت نفسه على سلامة الجماعة الإسلامية، وهو توازن دقيق يجسد فقه الصحابة في التعامل مع القضايا الحساسة، ويكشف عمق علاقتهم بآل بيت النبي ﷺ، القائمة على المحبة، والصدق، والمسؤولية.
الهوامش والمراجع:
الطبقات الكبرى, متمم الصحابة, الطبقة الخامسة، ح (299)، (1/340)
مصنف عبد الرزاق، ح (6369)، (3/471).